لغياب النموذج.. انهيار صناعة الدواء في سورية كان متوقعاً

صفوان داؤد:

في عام 1987 ونتيجة لضغط الحصار المفروض على سورية، سمحت الحكومة السورية للقطاع الخاص بإنتاج الأدوية للسوق المحلية، وجرى الترخيص لحوالي ثمانية وعشرين معملاً. وبعد أن كان هناك معملان فقط في سورية عام 1969 يغطيان حوالى 6% من حاجة هذا السوق، وبفضل تبني السياسات الحكومية التشريعات والقوانين المناسبة والعصرية وتراكم الخبرات الكوادر المحلية العلمية والمهنية، وصل عدد المعامل المُنتِجة للدواء عام 2010 إلى 70 معملاً، ثم إلى 90 معملاً عام 2017، غطّت حوالى 91% من حاجة السوق المحلية. وبحسب إحصائيات (اتحاد منتجي الدواء العرب) عام 2011، بلغت احتياجات السوق المحلية من الأدوية نحو 400 مليون دولار، فيما استطاعت الصناعة الدوائية السورية التي اكتسبت سمعة دولية أن تصدّر إلى 37 دولة بصادرات بلغت قيمتها نحو 210 ملايين دولار. وارتفع عدد الأصنـاف الدوائيــة المصنعـة محليـــاً من 5218 عام 2005 إلى 6895 صنفاً عام 2010، شملت بشكل أساسي المُسكّنات والمضادات الحيوية والأدوية النفسية والعينية والجلدية والنسائية وأدوية الاطفال، 8% منها كانت تصنّع بامتياز من نحو 60 شركة عالمية، فيما كانت السوق المحلية تغطي العشرة بالمئة المتبقية من حاجتها عبر عمليات التهريب من لبنان، أو عبر وثائق استيراد نظامية للأدوية السرطانية وأدوية التهاب الكبد واللقاحات لصالح شركة فارمكس، أو عبر وكالات حصرية مرخصة للمستودعات.

غير أن الأوضاع اختلفت مع اندلاع الحرب في سورية، إذ أدت العقوبات المفروضة عليها ثم العمليات العسكرية الواسعة على أراضيها إلى تراجع خطوط الإنتاج وعمليات النقل والتخزين وسحب الشركات الأجنبية تراخيصها الدوائية. مع بداية عام 2015 ومع تدهور الأوضاع الأمنية والعسكرية في سورية وتضرُّر قسم كبير من المعامل، بفعل التدمير أو النهب، رفعت وزارة الصحة السورية أسعار الأدوية تدريجياً ووصلت إلى نحو 100% من قيمتها، ثم رفعتها مرة أخرى منتصف عام 2018 بنسب متفاوتة بحسب نوع المنتج الدوائي، ثم فرضت على المنتجين المحليين شراء المواد الأولية بسعر صرف الدولار بحسب نشرة مصرف سورية المركزي، مع اشتراط دفع المعمل 40% من قيمة المبلغ تحت بند (التأمين المستردّ). مع ذلك لم تواكب هذه الارتفاعات انخفاض قيمة العملة المحلية، ما حدا بممثلي معامل الأدوية الاتصال الحثيث مع وزارة الصحة لحل المشاكل المالية المتعلقة بسعر الصرف، وإلا فإنه لا يمكن ضمان استمرار الإنتاج أو تطويره. وتحت ضغط الفروق في سعر الليرة بين الرسمي وغير الرسمي ومطالبة الممثلين برفع سعر الدواء بنسب تتوافق مع أسعار الكلفة، إضافة إلى هامش ربح بسيط، عُقدت جلسة في مجلس الشعب بحضور ممثلين عن معامل الدواء، تلاها مطالبة أعضاء من مجلس الشعب في عام 2017 باستجواب وزير الصحة حول هذا الموضوع. ومنذ عام 2019 وحتى الأسبوعين الماضيين أصبح الفرق في سعر الصرف بين الرسمي والسوق السوداء هائلاً، وما زاد الطين بلة أن وباء كوفيد 19 أدى إلى تأخير وصول المواد الأولية وارتفاع أجور الشحن عالمياً ومنها إلى سورية، ما زاد الكلفة المرتفعة أصلاً على الصناعة الدوائية.

ومع تطور أزمة الدواء في السوق السورية بدأ سيل الاتهامات حول من هو المتسبب في الفقدان الفجائي لها من معظم المحافظات السورية. حتى الآن تنفي وزارة الصحة السورية انقطاع الأدوية من السوق، لكنها لا تنكر وجود أزمة، وادعت أن الحكومة تقوم بتمويل مستوردات هذه المعامل من المواد الأولية بسعر تفضيلي، وأن تسعير الزمر الدوائية يأخذ بعين الاعتبار قيمة التكلفة. ولتسهيل استيراد المواد الأولية أقرت وزارة الصحة إلغاء بند تأمين الاستيراد وتخفيض عمولة تحويل قيمة المستوردات بالقطع الأجنبي بنسبة 5%. وبحسب تصريح أحد مسؤولي وزارة الصحة على إذاعة (شام إف إم) المحلية أن الوزارة ستقوم بواجباتها في ضبط الصيدليات المخالفة وملاحقتها.

وأقرّت نقابة الصيادلة في دمشق بتراجع الأصناف الدوائية كماً ونوعاً في صيدليات العاصمة، وأن النقابة تواصلت مع معامل الأدوية لتوفير بعض الأصناف المفقودة، خاصة تلك المتعلقة بالأمراض المزمنة، فيما يقول الصيادلة إن هناك أزمة في توريد الأدوية، والمواطنون يدخلون عشرات الصيدليات حتى يتمكنوا من الحصول على علبة دواء.

إذاً من هو الطرف الذي لا يقول الحقيقة!؟

الحقيقة تقول إن المنتجين المحليين لن ينتجوا أصنافاً دوائية خاسرة، وسيعاني المرضى من المواطنين السوريين فقدان الدواء، وسيتعرّض الصيادلة للمضايقات والتنمر من المرضى اليائسين، وأن مستودعات الأدوية ستتصدّر المشهد بالاحتكار وتصبح عتلة جديدة في اقتصاد الظل، وساحة للتمييز بين المواطنين والفئات الاجتماعية. وانتقال صناعة الدواء في سورية من العالمية إلى عتبة الاندثار لم يكن ناتجاً سوى عن ظروف ذاتية أدت إلى ذلك، وأن التعمية عن الأسباب لن يحل المشكلة بل سيزيدها سوءاً، وأن الإصلاحات الادارية وإعفاء المسؤولين الحكوميين من رأس عملهم لن يحل الأزمات، فهم في نهاية الأمر جهة تنفيذية، وأن الخلل هو في النموذج أو البنية السياسية التي تصوغ المهام والأولويات، والتي تسمح للأمور المُلِحّة المتعلقة بالمواطن أن تتفاقم بتلك الطريقة غير المقبولة.

الآن مقولة (الدواء خط أحمر)، أصبحت من أرشيف الذاكرة الجمعية للمواطنين السوريين، كما أُرشفت مقولات أخرى تحت طوابير الناس التي تقف للحصول على أبسط متطلبات الحياة. ومن غير المستغرب ومنذ ثلاث سنوات لم تستطع وزارة الصحة أن تبتكر اي حلول منطقية لأزمة دواء كانت تلوح في الأفق، فهي في نهاية المطاف غير قادرة على اتخاذ القرارات المناسبة، وذلك لغياب النموذج الصحيح، وبقيت نائمة وغير ملتزمة بمسؤولياتها عن واحدة من أخطر الازمات التي يمكن أن تتصورها المجتمعات المتحضرة في القرن الحادي والعشرين، وهي وفاة مرضى من مواطنيها بأمراض سهلة العلاج وبسبب ماذا؟ بسبب غياب الدواء!

العدد 922 - 12/08/2020