لماذا لم يُنجز بناء الدولة الوطنية والمواطنة؟

إبراهيم الحامد*:

يقرأ البعض من المحللين السياسيين والكتّاب الواقع في الشرق الأوسط عامة والدول العربية خاصة، ويتناولون الأحداث بشكل براغماتي بعيداً عن العقلانية والعلمانية الدالّين على مسببات ما يجري في الواقع من الأزمات والتناقضات والأحداث، وهذا ما يدفع بالأغلبية الصامتة التي يمكن توصيفها بـ (الطبقة الوسطى والطبقة الكادحة بالجهد) والمنتجة لما يدعم الاقتصاد الوطني بشقيه الزراعي والصناعي، أن تقف موقفاً حائراً باعتبارها لم ترضخ للأجندات الخارجية الما فوق وطنية، ولا  للمصالح الفئوية الضيقة الما دون وطنية، هذان المسلكان اللذان ألحقا ضرراً فادحاً بالمصلحة الوطنية العليا، عندما أبعدت الطبقة الوسطى الكادحة  المنتجة تلك عن مصدر القرار الوطني، و بخاصة  الطبقة الوسطى  التي تعتبر حامل التغيير الوطني الطبقي الحقيقي لأي بلد من البلدان نحو التطور الاجتماعي والتقدمي، فبإبعادها عن مسار الحل ومراكز اتخاذ القرار، بسبب السياسات  التي مهدت  لشروط الصندوق الدولي والبنك الدولي على يد  الطبقة  البيروقراطية الطفيلية فيما مضى، وتجار الأزمة وأمراء الحرب اليوم، الذين فسحوا المجال لمنصات البازارات وتوزيع النفوذ والحصص وبما يخدم مصالحهم ومصالح  من صنع الأزمة ويديرها، ذلك ما أعاق معالجة الازمة وأطال عمرها وأساء للوضع المعيشي والاجتماعي للمجتمع عامة وللطبقة ذات الدخل المحدود خاصة، وأحدث في المجتمع فرزاً طبقياً حاداً: طبقة غنية غناء فاحشاً لا تتجاوز 20% من المجتمع، وطبقة شديدة الفقر لا تقل عن 80%، وهي تدور في فلك الأزمة ويتفاعل وينفعل معها دون أن تعرف الحقيقة، بل وأصبح قسمٌ منها أدوات ووقوداً للحروب، وتعرض القسم الآخر  للهجرة القسرية عن ديارهم، وأصبح عرضة لعذابات المخيمات أو فريسة المافيات التي تقوم بنقلهم لبلدان اللجوء.

هذه هي سمة من سمات المرحلة الراهنة والشديدة التعقيد والتشابكات التي تعيشها شعوب دول الشرق الأوسط عامة والدول العربية خاصة اليوم، والتي باتت وقوداً للصراعات والحروب المتعددة الأقطاب والميليشيات المسلحة التي تديرها قوى وطغم مالية عالمية من وراء الستار عبر وكلائها الإقليميين والحكام المتسلطين على رقاب شعوبهم عنوة ودجنوها لتتأقلم مع فكرة المصلحة الشخصية والفئوية الضيقة بعيداً عن المصالح الوطنية العليا والعامة.

إن ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط اليوم هو نتاج مخططات وضعت من الثمانينات القرن المنصرم إثر دخول النظام الرأسمالي العالمي أزمته الخانقة والتي كادت أن تسقطه، إلا أن توحشه وتفرده بالعالم أنعشه من خلال التهام أطرافه وذيوله من البيروقراطية الطفيلية والطغم المالية  التي ترعرعت وانتعشت عبر الفساد المالي والاداري في معظم البلدان العربية والشرق أوسطية، وهي التي أوقفت تدريجياً عجلة الاقتصاد الوطني الإنتاجي والاكتفاء الذاتي في مجال الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الوطنية  التي تعتمد عليهما، مع إهمال  عملية التنمية المستدامة لصالح الأجيال القادمة في بلدانهم، فباتت تدور في فلك النظام الرأسمالي العالمي وتتأثر بأزماته وتنفذ أجندات مراكزه المالية  المتمثلة بصندوق النقد والبنك الدوليين، وأدخلت  تلك النظم والطغم المالية الحاكمة شعوبها الفقيرة في دوامة الصراعات الطائفية والقومية والقبلية وسيقوا كالقطعان وراء تلك المفاهيم الما دون وطنية والتي أخفت بأفعالها تلك الصراع الطبقي وغيّبت المصلحة الوطنية العليا، وأعاقت مسيرة الاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة والتوزيع العادل للثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية، فلم تنجز مهام التحرر الوطني  والاجتماعي وبناء الدولة الوطنية ودولة المواطنة التي بات إنجازها ملحّاً اليوم.

  • عضو رئاسة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الموحد.
العدد 917 - 1/07/2020