الزواج في زمن الحرب بعبع الشباب.. عقبات وفهم خاطئ للشراكة الأسرية

أنس أبو فخر:

في قصة شهيرة جداً وباتت موروثاً اجتماعياً في العالم، يُحكى أن أحد أشهر الأباطرة الرومان وهو (كلوديوس)، أصدر قراراً منع فيه الزواج على الجنود الرومان في الجيش في حقبة توسّع وحروب شهدتها الإمبراطورية، وذلك ظنّاً منه أن الجنود المتزوجين هم أقلُّ قوة، وذلك لارتباطهم بأُسرهم وأولادهم، وهذا القرار راح ضحيته كثير من العشّاق حتى خرج أسقف الكنيسة آنذاك (القديس فالانتين)، الذي خالف قرار الإمبراطور وقام بتزويج المُتحّابين في السر وإعطائهم سرّ الزواج المقدّس، إلى الوقت الذي كُشف أمره وأُعدم في الرابع عشر من شباط سنة 270 للميلاد، بحسب كتاب (قصة العادات والتقاليد وأصل الأشياء) لتشارلز باناتي، وهو اليوم ذاته الذي عرف فيما بعد بـ(عيد الحب) أو (عيد العشاق). والحقيقة أنه دائماً في الحروب يكون الطرف الأكثر خسارة وتضرّراً هم الشباب وخاصّة العشّاق منهم، لما فيه من ضغوط وكوارث اقتصادية تنعكس بشكل كبير على الشباب ولا سيّما المقبلين منهم على الزواج.

في ظلّ التردي الإقتصادي لبلدٍ يعاني من الحرب على مدى عقدٍ كامل، أجهضت كثير من فرص العمل وتفاقمت نسبة البطالة في صفوف الشباب، إضافة إلى تدمير كثير من المناطق السكنية وحالات النزوح الداخلية والخارجية، كذلك مسألة التجنيد والذهاب للمجهول، وهبوط قيمة العملة وارتفاع الذهب والأسعار بشكل عام، باتت كلمة الزواج مصدر قلق للشّابّ أكثر فأكثر، وأصبح الإقدام على الزواج أمراً جنونياً كما يعتبره البعض، لما فيه من صعوبات جمّة وطلبات وتجهيزات وحُليّ خاصة أن زمن المعجزات والقديسين والرُسل قد ولّى، فـ(كيف السبيل إلى وصالك.. دلّني!؟).

بين العادات والتقاليد والتدهور الاقتصادي

قبل اندلاع الحرب وانعكاسها على الاقتصاد، كانت أولى العقبات لدى الشباب هي المجتمع ومتطلبات أهل الزوجة التي تتوافق مع الموروث الاجتماعي من مهر وذهب ومتطلبات كثيرة، وهذا الأمر مازال إلى يومنا الحالي قائماً ولكن لدى شريحة قليلة في المجتمع، مازالت تتعامل وفق (الأتيكيت)، ولكن بشكل عام أصبحت نظرة الأهل إلى المتطلبات تصبُّ في صالح الشّاب أكثر من ذي قبل، من تخفيض في التجهيزات وحفلات الزواج والعقلانية في تحديد المهر والذهب والمنزل الفاخر تماشياً مع الظروف الإقتصادية الصعبة، لكن هذه ليست نافذة الأمل للشّاب، لأنه ما إن ينتهي من هذه العقبة حتى يصطدم بالواقع المادي المرير، الذي يعتبر الأكثر تعقيداً خاصة في ظلّ التدهور الاقتصادي المؤدي الى ارتفاع الأسعار الفاحش ما يجعله يعاني في تأمين تجهيزات منزله بالدرجة الأولى، وارتفاع تكلفة بناء المنزل بالتوازي مع ارتفاع أجور المنازل خاصة على ذوي الدخل المحدود، ويزيد الأمر تعقيداً الوضع الأمني وضبابية المستقبل وانخفاض فرص العمل بشكل عام، وإذا ما توفّرت فرص العمل فإن المرتّبات الشهرية ليست كافية، لذلك حال الشّاب السوري وكما يقال في اللهجة العامية (خرج من تحت الدلف لتحت المزراب)، هذه الأمور تجعل الشّاب يرفض (التورط) حرفياً بالزواج، ويكرّس سعيه للسفر والخروج من البلد بحثاً عن مناخ اقتصادي أفضل.

تأثير (السوشيال ميديا) على متطلبات الفتاة

قبل بضعة أشهر حدّثني صديقي خبراً مضحكاً ومبكياً في آنٍ واحد، ومختصر الحديث أن جاره ذو دخل محدود وهذه الكلمات كافية لتلخيص حالته الماديّة، قام بشراء (ديوانية) لمنزله إرضاءً لزوجته التي (نكّدت عيشته) حسب وصفه، لشرائها، ولكن عندما سُئِلت من جاراتها عن سبب الشراء، أجابت إنها ترغب بمكان يليق بتصوير (السيلفي) لبرامج فيسبوك وإنستغرام.

الحقيقة هي أن عنصر الوعي والواقعية بات يتلاشى مع التعلّق الأعمى ببرامج السوشال ميديا، وهي الأكثر تأثيراً على تخريب أيّة عائلة وشراكة أسرية، وتدمير قناعة الإنسان وقبوله بواقعه لأنه لا يصوّر إلاّ الجزء الأجمل الذي يختاره الشخص، فقد يكون بيته خرابة ولكن يمتلك زاوية فرنسية الديكور ليعطي فكرة لأصدقائه الافتراضيين أن منزله كله مثل هذه الزاوية (ولكي لا أذهب بعيداً قد أعود بكتابة مقال عن هذا الأمر)، إلّا أننا نستطيع القول إن الفتيات في المجتمع باتت طلباتهن أكبر من قدرة الرجل، فالشّاب الذي نجا من متطلبات الأهل وتجاوز العقدة المالية قد يواجه صعوبة أكبر في متطلبات الفتاة، التي تسير على طريق الغيرة والتقليد دون الاكتراث لقدرة الشّاب الذي يقع في دائرة الخجل والسعي لتلبية المتطلبات ولو عمل فوق ساعات عمله، أو وصل إلى حدِّ الوقوع في الدَّين، وغالباً ما أصبحت طلبات الفتاة بفارس أحلامها خيالية بعض الشيء نظراً للواقع، ولتأثّرها بما تراه على شاشة الهاتف وانفصالها عن الواقع الذي يُفقدها الرضا والقناعة بالممكن، ما يؤدي بالمجمل إلى صعوبات واختيارات خاطئة لشريك الحياة من الطرفين، ويجعل الشّاب يتردّد جداً في القدوم على هذه الخطوة مع بعض الفتيات.

بين مفهوم الشراكة والقانون والمجتمع.. الفتاة هي الضحية!

دائماً أتساءل: لماذا عليّ أنا وحدي أن أتحمّل أعباء الزواج؟ لماذا يجب عليّ العمل بجهد كبير للحصول على بيت جيد وتجهيزات جيدة؟ حقيقة ومن وجهة نظري من أكبر الأخطاء التي يقع بها الشباب الشرقي هي عدم الفهم الحق لمفهوم شريكة الحياة، فالشراكة الأسرية تعتمد على الشّاب والفتاة في آن معاً، ليس من العدل أن يتحمّل أحدهما فقط هذه الأعباء والآخر يأتي ليتقاسم ثمار تعب الآخر دون عناء، وهذا ما قد يساعد الشّاب للوصول إلى زواج ناجح قائم على التفاهم والاحترام المتبادل.

تتفهم الكثير من الفتيات أوضاع الشباب اليوم، ويحاولن السير معه والتخفيف عليه وتقاسم شراكة الحياة والمستقبل، إذ إن بعض الفتيات بتن يفضّلن الفضّة على الذهب، ويعملن إلى جانب الرجل لرفع الدخل في المنزل، ومنهن من تتخلّى عن كثير من المتطلبات والحقوق، لكن وبكل أسف هذه الخطوات لا ترى النور أمام شرقية الرجل وتفكيره السطحي، فالبعض يطمع بالفتاة أكثر والبعض الآخر يرفض مثل هذه الفتاة بالمطلق، لظنّه بأنها ترمي نفسها عليه أو أنها ستتحكّم به مستقبلاً ممّا يراه عنصر إهانة لـ(رجولته) المُصطنعة، وذلك لنظرته السطحية دائما سواء لعقل المرأة ومشاعرها وجسدها حتّى، وبالتالي يخسر كثير من الشباب فرصة الزواج لعدم تخلّصهم من الأفكار الاجتماعية العتيقة والمهينة للمرأة.

من جهة أخرى تقع الفتاة في مجتمعنا في مأزق كبير من نواحي حقوقها وضمان مستقبلها، ومن المؤسف أن ارتباط حقوق المرأة ليس بالقانون إنما بالمال، لذلك يسعى الأهل لطلبات كبيرة على الزوج بحجّة ضمان حقوقها في حال الطلاق. على سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية عند القدوم على الانفصال أو الطلاق، يتنازل الرجل عن نصف إلى ثلاثة أرباع من كل ما يملك لزوجته، عقار، سيارة، منزل، حساب بنك وكل ماهو باسمه، وبالمثل في أوربا وكندا مع اختلاف النسب لكن في المحصلة لا تخشى المرأة في هذه البلاد عواقب فشل الزواج والطلاق لأنه يوجد قانون يحمي حقوقها، وبالتالي تندفع المرأة هناك لتشارك في كل احتياجات الحياة الأسرية، أما في بلادنا تقوم المرأة على سبيل المثال بسحب قروض أو العمل إذا كانت غير موظفة فرضاً لشراء منزل أو سيارة، ولكن الرجل لا يُسجّل منهم شيئاً باسمها وبالتالي تبقى تحت رحمة الزوج، متناسياً تحمّلها الجهد والعناء في سبيل مساندته.

ولذلك أقول إن المجتمعات الشرقية لم ولن تنصف المرأة ما دام الموروث الاجتماعي القائم على أساس عنصري طاغياً على القانون، وما دمنا بعيدين عن إقرار قوانين مدنية وعلمانية منصفة وتطبيقها، وسيبقى جيل الشّباب يدفع ثمن الحب في زمن الحرب والتمسك بالأفكار والتقاليد البالية والمتخلفة.

العدد 937 - 25/11/2020