أرشدونا يا أصحاب المعالي.. كيف سنعيش؟!

كتب رئيس التحرير:

نعم.. أرشدونا!

نعلم أن أحداً ما سيختصر الأمر كضربة سيف قاطعة: يا أخي.. إنها الحرب، إنه الحصار!!

لقد كتبنا في (النور) وكتب غيرنا في العديد من وسائل الإعلام، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، وتساءلنا: وهل تفترض الحرب.. ومواجهة الإرهابيين والمعتدين والمحتلين أن يفتقر الشعب السوري إلى الحد الذي ينذر بالمجاعة؟؟  

إذاً من سيقف في وجه هؤلاء؟! من سيقاوم بقايا الإرهابيين؟ ومن سيردّ العدوان التركي؟ ومن سيجبر الأمريكيين على مغادرة الأرض السورية؟! من سيعيد إعمار سورية، ومن سيحدّد مستقبلها؟! هل هم من يبحثون اليوم عن طريقة لتأمين اللقمة من بين أنياب حفنة من الرابحين دائماً، الذين يقتنصون، ويستوردون، ويحتكرون، ويسعّرون، ويهرّبون في السلم والحرب، القابضين على مفاتيح الغذاء والدواء والدفء، في ظل غياب سلطة الحكومات التي اكتفت بالندب والتخبّط وابتداع مبرّرات عجيبة لتخلّيها عن دورها في أخطر مرحلة تمر بها بلادنا في تاريخها المعاصر؟!

ليس مطلوباً من الحكومة أن تدعم (جرزة) بقدونس، أو (حبة) بطاطا، أو (رشّة) من الفلفل، بل عليها أن تؤمن انسيابها إلى الأسواق بأسعار في متناول الفئات الفقيرة والمتوسطة، وأن تؤمّن السلع الأساسية والضرورية للمواطن بأسعار مدعومة، كيف؟ هذا هو عمل الحكومة، هذا ما يسمى بالتخطيط والإدارة والتكيف وحساب كل شاردة وواردة في زمن السلم، فما بالكم في زمن الحرب؟!

يبدو أن الحكومات المتعاقبة توقعت نهاية سريعة لما بات يعرف اليوم بـ(سنوات الجمر السورية)، وهذا القصور في الرؤية الحكومية لا يمكننا إرجاعه إلى أخطاء تكنيكية.. وظيفية، بل إلى عدم قراءة الأحداث السورية وفق المنظورين الداخلي والخارجي، واحتمال تعقّد الأزمة أكثر فأكثر، ومن ثمّ استمرارها لمدة طويلة، فلم  تعطِ الاهتمام الكافي لمستلزمات الصمود الطويل الأمد، بل العكس تماماً، ففي تصريحات المسؤولين الحكوميين كانت واضحة النبرة التفاؤلية بقرب النهاية، خاصة بعد أن بدأ جيشنا الوطني باستعادة الأمن والاستقرار إلى المدن الكبرى، بل راح بعض المسؤولين يضع التصورات الخاصة بإعادة الإعمار، وضرورة البدء باستيراد الآليات اللازمة لبدء المشاريع الكبرى، في الوقت الذي يؤكد فيه مسؤول آخر تراجع الإيرادات الحكومية.. وعجز الحكومة عن الاستمرار في سياسات الدعم للفئات الفقيرة، ثم جاءت القرارات (غير الشعبية) بتعويم أسعار المازوت وزيادة أسعار الخبز والغاز، والمعالجة القاصرة لارتفاع أسعار الدولار، فأثارت في نفوس المواطنين ألف سؤال وسؤال، عن المعالجات الحكومية لحالة الأزمة، وغياب الخلية المسؤولة عن تكييف الاقتصاد السوري وفق متطلبات الصمود الطويل الأمد.

لقد بات المواطنون من الفئات الفقيرة والمتوسطة.. وهم غالبية الشعب السوري في حيرة من أمرهم، ويتساءلون بحسرة: هل صحيح أن الحكومة غير قادرة على حمايتهم من براثن الحيتان.. والمحتكرين.. والفاسدين، والمتلاعبين بأسعار القطع الأجنبي الذي حلّق إلى مستويات غير مسبوقة؟ هل صحيح أن الحكومة كانت تنتظر من يرشدها إلى أهمية التخلص من الحلقة الوسيطة بين المنتج والمستهلك، لتقدم سلعاً للفئات الفقيرة والمتوسطة بأسعار تناسب قدراتها الشرائية الضعيفة، وفي ذلك خدمة للمستهلك وللمنتج والدولة في آن معاً؟! ألم تجد الحكومة طريقة لوقف التحليق الجنوني لأسعار الدولار، الذي يؤدي لحظياً إلى ارتفاع أسعار كل شيء؟! وهل صحيح أن عدم تدخل الحكومة للجم سطوة أسياد الأسواق هو عدم قدرتها على ذلك، أم أن المطلوب هو ترك الأسواق لحرية العرض والطلب وقوانين السوق تنفيذاً لنهج اقتصادي اجتماعي، بدأ في العقد الماضي، واستمر بقوة خلال سنوات الجمر، بذريعة تداعيات الحرب والحصار والضغوط الاقتصادية؟!

الأسعار بشكل عام ترتفع يوماً إثر يوم، رغم انخفاض أسعار بعض الخضار، ومتوسط الأجور اليوم يشتري للمواطن 3 كغ من لحم الغنم! أو 2 ك. غ من الحلويات، خاصة ونحن نستقبل عيد الفطر السعيد.. السعيد! أو بنطالين (جينز) متواضعين لفردين من العائلة! ويزداد ألم الناس أكثر فأكثر بعد تصريحات غير مسؤولة لبعض المسؤولين.

الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي، يا أصحاب المعالي، قد تمتد مفاعيله إلى أبعد من الفقر والمعاناة لجماهير شعبناً، ويمارس تأثيره على استمرار صمود شعبنا وبلادنا في وجه بقايا الإرهاب والعدوان التركي والاحتلالين الصهيوني والأمريكي، وهذا ما يسعى إليه أعداء سورية، لذلك نطالب الحكومة القيام بما عليها من أجل استمرار هذا الصمود وتقويته، والتخفيف من معاناة جماهير الشعب عبر تدخلها الفاعل كمنتج ومسوّق وراع للفئات الفقيرة.. ومخلّص للناس من سطوة (الغيلان)!

العدد 931 - 14/10/2020