اجترار أمريكي عثماني لتاريخٍ أسود وأهدافٍ أكثر سواداً

رزوق الغاوي:

 ثمة مؤشرات واقعية تتبدى من خلال فصولها (على عينك يا تاجر) أمامنا وأمام المنطقة والإقليم والعالم أجمع، ساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم، تلك المؤشرات تجاوزت من كونها وسيلة (للتلميح) لتصبح مقدمة (للتصريح) و(على رؤوس الأشهاد) بما يُراد منها من أهداف مشبوهة ومكشوفة عبر غطاء (كلمة حق يُرادُ منها باطلٌ).

تلك المؤشرات الواقعية باتت واضحة لمرامي وأهداف السلطنة العثمانية المعاصرة الوكيلة الحصرية للإمبريالية الأمريكية، التي تدّعي أنها أخذت على عاتقها مسؤولية التصدي للإرهاب الدولي والقضاء عليه وحماية الحرية والدمقراطية وحقوق الإنسان ليس فقط في سورية وليبيا واليمن، بل في مجمل الأرجاء العالمية، شأنها في ذلك شأن (الفاسقة) التي تمارس الفسق وتحاضر في الشرف في آنٍ معاً  دون أدنى خجلٍ، ودون أدنى وجل!

تلك المؤشرات تُتَرجِمُها عمليات تمدُّد الانتشار العسكري التركي الكثيف وتوسيعه بغية احتلال مساحات جديدة من الأراضي السورية، في تزامنٍ صارخٍ مع تعزيز الاحتلال الأمريكي لمناطق النفط السوري في شرق الفرات، ما يستدعي الكثير  من التساؤلات حول طبيعة ما يدور الآن ويجري في مجمل المناطق المتاخمة للحدود السورية مع كل من الأردن والعراق وتركيا وسط الصمت الدولي المريب وشهود الزور المريبين.

ـــ فماذا يعني استمرار أنقرة في تصعيد الأوضاع في شمال مدينة حلب وشمال غرب سورية، وحشد القوات التركية والفصائل الإرهابية الموالية لها ودفعها للاشتباك مع الجيش العربي السوري، في خرقٍ واضحٍ وصريحٍ للتفاهمات الرامية إلى خلق الأجواء الكفيلة بتحقيق خطوات عملية على طريقٍ تؤدي إلى تسوية تكفل المكافحة الفعلية للفصائل الإرهابية والقضاء عليها من جهة، وتضمن وحدة الأراضي السورية والسيادة الوطنية عليها من جهة أخرى؟

 ـــ وماذا يعني دفع أنقرة بنحو خمسة آلاف آلية عسكرية ونحو عشرة آلاف جندي تركي، ونشرها في مناطق خفض التصعيد الواقعة تحت الاحتلال التركي؟ واستمرارها في زيادة عدد النقاط العسكرية التركية في تلك المناطق ليصل إلى 43 نقطة؟!

من دون شك، يبدو واضحاً ما تسعى إليه العثمانية العنصرية المعاصرة، من حيث كونها الوجه الآخر للامبريالية الأمريكية في عملة واحدة، بما تمثله في واقع الحال باعتبارها واحدة من ورثة الصهيونية العالمية، عبر محاولتها التمدد والقبض على حيث توجد قواتها وعصاباتها الإرهابية على الأراضي السورية واغتصابها، على غرار ما سبق أن فعلته العصابات الصهيونية في فلسطين في نهاية الحرب الكونية الثانية، وصولاً إلى تغيير ديموغرافي تكون الغلبة فيه للعنصر العثماني ومتفرعاته، على حساب باقي المكونات من السكان الأصليين السوريين العرقية والطائفية والمذهبية والعشائرية في أقفاص ضيقة من الـ (غيتويات) المتناحرة فيما بينها حيث لا حول لها ولا قوة، والمحكومة بأطواق من حدود سياسية تؤهبها للمضي في صراعات مستدامة واقتتالات عبثية مجانية لا تُبقي ولا تذر، ما يعني في نهاية الأمر حسب أهداف السلطنة العثمانية المعاصرة، ضرب وحدة الأرض السورية ووحدة الشعب السوري وتقطيع أوصال الجغرافيا السورية، بما يتفق مع الاستراتيجية العامة للإمبريالية الأمريكية وتوءمها الحقيقي الصهيونية العالمية .

هذا من جهة، ومن جهة أخرى:

ـــ ماذا يعني الدعم الأمريكي العلني للعدوانية التركية وللفصائل الإرهابية المسلحة التي تشكل رأس حربةٍ للتمدد التركي في الأراضي السورية، وتوازي ذلك مع تشديد القبضة العسكرية الأمريكية على المناطق التي تحتلها القوات الأمريكية في الشرق السوري، والإصرار على مواصلة احتلالها في ضوء غياب أية مؤشرات أمريكية على إمكانية الانسحاب منها؟

ـــ وماذا يعني مضي واشنطن في فرض عقوبات قاسية على سورية لا ترتكز إلى أي سند قانوني أو أي مسوغ مشروع وتتناقض مع جميع القوانين والمواثيق الدولية؟

ـــ وماذا يعني ذهاب إدارة ترامب باتجاه خلق ثقافة الاقتتال والتناحر بين أبناء الشعب السوري الواحد بمكوناته الطائفية والعرقية، وضرب نسيجه الوطني والاجتماعي، ما قد يؤدي إلى نشوء ميليشيات ذات سمات عرقية أو طائفية أو مذهبية وما ينشأ عن ذلك من تداعيات.

من دون شك.. فإن ما تقدم هو أصدق تعبير عن كون الولايات المتحدة الأمريكية، خير من يمثل الغطرسة العسكرية ومنطق التهديد بالقوة والنظام الرأسمالي الأمريكي المتوحش، وخاصة لجهة ممارسة القوة العسكرية الأمريكية بتدمير البنية التحتية في سورية، وفق ما تضمنته خطة بندرــ فيلتمان لتدمير سورية.

في ضوء هذا الواقع الراهن يبدو ضرورياً التذكير بخيار (المحافظين الأمريكيين الجدد واليمين الأمريكي الديني المتطرف) الذي يدعو إلى تقسيم سورية وتقديمها لقمة سائغة إلى الكيان الصهيوني العنصري، باعتباره القوة الطائفية الوحيدة في المنطقة، والمركز المسيطر الذي ينبغي أن تدور في فلكه حفنة من الكيانات العرقية أو الطائفية الضعيفة المنهكة والمنشغلة في صراعاتها المجانية.

هذا الواقع الراهن، بات يستدعي التركيز على ضرورة التوجه نحو المجتمع الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ودعوتهم جميعاً للتعاون الفعال مع الجهود الصادقة المبذولة من أجل إنهاء الحالة الخاصة والاستثنائية التي تعيشها سورية الآن، ووضع حد يتيح إخراج عشرات آلاف الإرهابيين من أراضيها وتحريرها من الحصار الاقتصادي والعقوبات الظالمة وغير المبررة المفروضة عليها من قبل واشنطن وحلفائها الأوربيين والعرب على حدٍّ سواء.

دمشق 14/5/2020

العدد 928 - 23/09/2020