قراراتٌ في مهب الريح… وصرخات الطلبة تتعالى

يارا بالي:

ما إن حطّت الحرب أوزارها، ولملمت أدوات القتل والقتال على أراضينا، حتى تكالبت علينا ملحقاتها من كل جانب، فمن دمارٍ وجوع، إلى تشريدٍ وشتات، وصولاً إلى الغلاء المعيشي الفاحش، وما جلبه من كوارث، كل هذا وسط تخبطاتٍ في القرارات الوزارية، ووسط ضياعٍ واضح.

ويبقى السؤال الأبرز: هل يحتمل هذا الوضع المزيد من الأزمات؟!

دارت عجلة الأيام، وانقضت سنة 2019 بكل ما حملته من أوزار الحرب وتبعاتها، على جميع المستويات (النفسية، والصحية، والاقتصادية) وعين السوري بكل فئاته، في حالةِ ترقّبٍ، وانتظار، على أمل خير تحمله السنة الجديدة، يتنفس فيها المواطن الصعداء.

لكن ما جاءت به الأحداث كان صادماً، فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة الاستنفار الكامل، بسبب تفشي فايروس جديد أطلق عليه العلماء اسم فيروس (كورونا)، هذا الفيروس استطاع الانتشار بسرعة كبيرة مخلفاً وراءه الآلاف من المصابين، والوفيات في أعظم دول العالم، وأكثرها متانةً في المنظومة الصحية.

فما كان من الحكومة السورية، إلاّ الوقوف على هذا الأمر، بقراراتٍ سريعة وإسعافية لمنع انتشار هذا الوباء الذي صُنّف كجائحة عالمية، تحتاج الى تكاتف دولي، للقضاء على هذا العدو الجديد للبشرية.

وكان من أولى قرارات الحكومة، وفريقها المعني بالتصدي للوباء هو: حظر التجوال الجزئي، ووقف دوام الموظفين، وإغلاق أغلب المحال التجارية، كما جاء القرار بتعليق دوام المدارس والجامعات، وأُوقف برنامج امتحانات التعليم المفتوح، الذي كان على وشك النهاية.

جميع هذه القرارات جاءت غير واضحة الملامح وغير محددة المدّة، فقد كانت كلها إلى إشعار آخر غير مسمّى.

الأمر الذي أوصل فئات المجتمع السوري عامةً، والطلبة على وجه الخصوص إلى حالة من الشتات والتخبّط، وعدم الاستقرار فيما يتعلق بالأيام القادمة، ولا سيما أن الوزارة لم تصدر أي قرار يوضح إلى أينَ ستذهب الأمور.

فقد أدى تعليق الدوام الذي حصل لفترة طويلة تجاوزت الشهرين إلى تمديد الدوام الجامعي لتعويض الخسارة الزمنية التي وقعت، بالتالي تأخّر الامتحان الفصلي الثاني، الذي كان من المقرر وبشكل اعتيادي أن يأتي في الشهر السادس من كل سنة، هذا التأخير الذي انعكس سلباً، وبؤساً، على شريحة كبيرة من الطلبة الجامعيين في سنة التخرج تحديداً.

لقد افتقرت هذه القرارات بمجملها إلى التنسيق بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة الدفاع، وغدا الطالب الذي أنتهى تأجيله الجامعي، قبيل الحظر، بين فكي كماشة، لا يعلم إلى أين المسير، ولا يعلم الخسارة على من ستقع، فلا وزارة التعليم العالي أوعزت بقرار بهذا الشأن، ولا وزارة الدفاع تحدثت في الأمر، وهكذا يغدو المجهول سيد الموقف.

ومن القرارات التي وضعتها وزارة التعليم العالي في هذا السياق: الدوام يوم السبت من كل أسبوع، ليتمكن الكادر التدريسي من تغطية الضائع في المادة العلمية، وتعويض النقص الحاصل بسبب الظروف الراهنة.

فضلاً عن حالة الضياع، التي عاشها الطلبة فيما يتعلق بالتعليم الإلكتروني، الذي كان من المقرر أن يتمّ بشكل مُنظّم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، ومع الأسف هذا لم يحصل بل على العكس، جاءت المحاضرات الإلكترونية، التي ألقاها بعض الأساتذة فزادت هذا التخبّط، وأصبح الطالب ضائعاً (فيما إذا كانت هذه المحاضرات مطلوبة أم أنها فقط لإبعاد الطالب عن الانقطاع العلمي).

وفي هذا السياق لا نستطيع أن نتجاهل النتائج السلبية التي عادت على الطلبة بسبب انقطاع دوام الموظفين في الجامعات، فقد توقف صدور النتائج الامتحانية، كما توقف صدور إشعارات التخرج، وجميع المعاملات الخاصة بالطلاب، ممّا نشر الخوف والتوتّر المرافق لحالة الترقّب، بين أوساط الطلاب الجامعيين.

هذا في نطاق الحديث عن الطلبة الذين ما زالت الفرصة أمامهم مفتوحة لاستكمال رحلة الدراسة.

أما إذا انتقلنا للحديث عن فئة الطلاب المستنفدين، فسنرى أن الآثار السلبية للحجر الصحي لا تقلّ عندهم عن غيرهم، بل على العكس فهم من أكثر الفئات تضرراً، فقد جاء هذا الوباء انتظاراً فوق انتظار، والمصير مجهول، والمناشدات تتزايد.

فالطالب المستنفد لم يستنفد من إهمال أو تقصير، أو تراخي في حمل المسؤولية، وإنما استنفد لأسباب تفوق طاقته، وقوته، وأهمها ضيق الوضع المادي، واضطرار الطلاب للعمل إلى جانب الدراسة، بعد ثماني سنين عجاف شهدتها بلادنا بأبشع صور القتل، والدمار.

واليوم غدا آلاف الطلاب من هذه الشريحة، تنتظر مرسوماً رئاسياً ينصفهم ويعيدهم إلى جامعاتهم لضمان المستقبل، وإتمام مسيرتهم العلمية، التي أخذت منهم سنين طويلة منذ الطفولة، وإلى يومهم هذا.

فهل يحق لوزارة التعليم العالي بعد كل هذه المعاناة، وهذا الصبر والصمود في ظروف الحرب، أن تكافئ شباب المجتمع وقوته، وحاملي لواء العلم فيه بانتظار أقسى من الأول؟!

فممّا لا شكّ فيه أنه بالعلم تُبنى الأمم، وأن الشباب عماد الحياة وقوتها، وأن ما من وطن يزدهر إلاّ بسواعد أبنائه، فهم سياجه المتين، لذلك فإن الواجب يُحتّم على أصحاب القرار، والقائمين عليه، أن يوجهوا عنايتهم لهذه الطاقات، ليتمكنوا من استثمارها بما فيه خير الوطن.

العدد 938 - 02/12/2020