أهم أسباب حملة ترامب على الصين

 د. صياح عزام:

يستمر الرئيس الأمريكي ترامب في كيل الاتهامات الباطلة للصين من دون توقف، وآخرها وأشدها تعسفاً أنها، حسب ادعاءاته، هي التي تسببت بتفشي جائحة كورونا في العالم. وكما يتذكر الجميع أن ترامب هو أول من أطلق على هذا الفيروس الخبيث اسم الفيروس الصيني، أطلق هذا الاسم مبكراً وبقي يكرره في تصريحاته وتغريداته شبه اليومية دون حياء ولا خجل، الأمر الذي يشير بوضوح إلى ما يستنبطه من نزعة عنصرية بغيضة وكريهة تجاه هذه الدولة وغيرها، علماً بأن تركيزه على هذه النزعة بشكل مباشر أو غير مباشر أثار ضده موجة من الانتقادات اللاذعة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وفي هذه الفترة، يواصل ترامب ووزير خارجيته بومبيو هذه الحملة من الاتهامات الباطلة للصين، لدرجة أصبحت شغلهما الشاغل، وذلك تارة بالادعاء بأن الفيروس المذكور (صنع في مختبر ووهان في الصين، وأنه خطأ بشري ربما حصل أدى إلى تسربه وانتشاره الواسع في معظم دول العالم، وتارة أخرى بالقول إن الصين لزمت الصمت والإنكار وعدم الإفصاح عما لديها من معلومات حول هذا الفيروس وخطورته وطرق انتشاره وطرق الوقاية منه حتى لا تتضرر البشرية جمعاء من امتداداته المخيفة.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال: ما هي دوافع ترامب لإطلاق هذه التهم الباطلة والتي لا أساس لها من الصحة؟

في العودة إلى جذور وخلفيات موقف ترامب هذا، نجد أن الواقع الاقتصادي يحتل المرتبة الأولى في ذهن الرئيس الأمريكي، فهو يميل إلى قناعة تقول إن الحكومة الصينية تهدف إلى احتكار (الترياق) وأدوات الوقاية والاحتراز من هذا الفيروس، لتتمكن من بيعها للعالم بأسره، وجني مليارات الدولارات من وراء ذلك. وبالطبع فإن هذه القناعة ناجمة عن جشع ونهم ترامب وخبرته تجاه جمع الأموال والربح غير المشروع، وإرثه الشخصي بشكل عام.

أما وزير خارجيته مايك بومبيو فهو يركز في حملته على الصين واتهاماته لها حول تصنيع الفيروس والتكتم على كل ما يتعلق به، يركز على الجانب (الإيديولوجي)، ففي كل مرة يتحدث عن الفيروس، يستطرد في شرح مفصل عن الحزب الشيوعي الحاكم، وميله إلى إخفاء المعلومات، وقبضته الحديدية على الأوضاع، إلى غير ذلك من اتهامات ترتبط بالأحزاب الشمولية (على حدّ زعمه).

يُجمع الكثير من المحللين السياسيين على أن تكثيف الرئيس ترامب حملته على الصين تكمن وراءها مصلحتان له:

الأولى: مصلحة انتخابية، خاصة أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية أصبحت على مبعدة أقل من ستة أشهر، وهي لحظة حرجة وحاسمة في حياته السياسية، ولذا تقتضي هذه المصلحة الترامبية البحث عن (شماعات) يعلق عليها أخطاءه التي لا تعد ولا تحصى داخلياً وخارجياً، ومنها تجربته الفاشلة في التصدي لأزمة كورونا وإدارتها، فقد جعلت هذه الأزمة من إدارة ترامب (أضحوكة ومهزلة) بدلاً من أن تكون نموذجاً مثيراً للإعجاب، ورميها تارة على الصين وأخرى على الديمقراطيين في الداخل الأمريكي، وبالتالي لابد من البحث عن سبب خارجي لتبرئة ساحته ودرء الاتهامات عن قيادته المتهمة بالتقصير وسوء تعامله مع هذه الجائحة.

والمصلحة الثانية لترامب، اقتصادية بامتياز، فهو يدرك أن من أبرز خصائص ما بعد كورونا، تقدم الصين وتراجع الولايات المتحدة في المباراة الاقتصادية بين العملاقين، وهو مسار شق طريقه بوضوح قبل كورونا بسنوات، وجاءت الجائحة لتزيده اتساعاً وتسارعاً، وبالتالي فإن الأهداف من حملة ترامب على الصين واتهاماته لها هي: عزل الصين ونبذها دولياً، وفرض عقوبات اقتصادية جائرة عليها، وإمكانية إرغامها على دفع تعويضات فلكية، ودفع دول العالم لفعل ذلك، بدءاً من أوربا! ولا يهم ترامب إذا كانت الاتهامات للصين قائمة على شواهد وأدلة (علماً بأن مثل هذه الشواهد والأدلة غير متوفرة)، إذ من المعروف أن واشنطن لا تنتظر البراهين والأدلة لشن الحروب العسكرية والاقتصادية (العراق نموذجاً)، ولا يهم أن تتفق مع تقارير منظمة الصحة العالمية التي نفت أن تكون الصين هي المصنعة والمصدرة للوباء، زد على ذلك، قطع عنها المساعدات متهماً إياها بالعمالة والتحيز للصين، ولا أن تتفق مع تقارير الاستخبارات الأمريكية، لأنه لا يثق بها.

الخلاصة.. إن الحرب الأمريكية الاقتصادية على الصين ستتصاعد الآن وبعد انتهاء كورونا، وأن هذه الاتهامات للصين هدفها (شيطنة) هذا العملاق الاقتصادي الصاعد، إلا أن الصين تعرف كيف تدافع عن نفسها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

العدد 928 - 23/09/2020