الطريق القويم

د. سنان علي ديب:

لم نُفاجأ بقرار تجديد العقوبات الأمريكية الظالمة اللاإنسانية، كاستمرار لنهجها السابق الذي كان وما زال أبعد ما يتصور عن الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان والشرعية الدولية، فلا وباء كورونا ولا ما أظهره من استخفاف مبدئي اتبعوه بتغابٍ كبير في التصدي له من الفريق المختص، فكلنا يتذكر اقتراح حقن المنظفات والضوء والمطهرات، ولا ننسى أسلوب مناعة القطيع، ليكون هذا الوباء معرّياً ومسقطاً القناع الأمريكي وبنيته الإرهابية ليس على دول العالم فقط وإنما على شعبه. وهذه الحادثة من القلائل التي انعكست على الداخل الأمريكي وخلخلت توازناته السياسية وستعيد اصطفافات شعبيته، رغم عدم تنبّئنا بتغييرها النتائج النهائية.

المشكلة في قرار الولايات المتحدة هو هيمنتها على دول تدعي الطاووسية، وهي قزم أمامها، فعقوباتها وحصارها لولا طاعة وخضوع وخوف هؤلاء شيء فارغ ولا أثر له على بلدنا.

وفي هذا الوقت ما يعنينا وما تعودنا عليه تزامن كل حدث يراد منه الإساءة وكسر الإرادة السورية بإرهاب بأنواعه المختلفة عسكري واقتصادي وإعلامي، ومحاولة تيئيس الشعب الصامد الصابر، وخاصة اللعب بسعر صرف الدولار، وبمضاعفة الأسعار بتناغم غايوي بين الهدف الإمبريالي وأدواته الداعشية المأجورة، ومحاولة لوي ذراع الحكومة وإظهار المؤسسات بمظهر الضعف المهترئ الحيادي بغباء كبير وحلم خيالي. فرغم ملاحظات كثيرة على الكثير من المنعكسات أعلن عنها أغلب العقلاء الوطنيين، وخاصة عن منعكسات السلبية للفساد المسرطن على الكثير من المفاصل، إلا أنه لولا الدور الإيجابي للمؤسسات وفاعليتها الكبيرة لما استمرت سورية، ولتحولت إلى دولة فاشلة كما سعوا. ولو أن الموضوع كذلك لكانت كل القرارات تعبر عن أهواء ورغبات وأهداف أدوات الإمبريالية من محتكري المواد وعابدي المال بالمطلق، ولكن ما وجدناه من إدارة أزموية وخاصة من الناحية الأمنية والعسكرية وقدرة الإحاطة بالفوضى، ليكون لقوة المؤسسات العنوان الأكبر الذي تمثل بفرض رؤى انضباطية لمواجهة كورونا. ولكن الواضح كلما ظهرت قوة وتوحد المؤسسات زاد الإرهاب بأنواعه وخاصة الاقتصادي والإعلامي، وزاد دور الأسلحة التفتيتية والرامية لزيادة فجوة انعدام الثقة بين المواطن والسلطة.

من المؤكد أن ظاهرة اللعب بالأسعار ومحاولة إظهار الليرة بأضعف حالاتها رغم تسكير الحدود العالمي وقلة الطلب المحلي، واضمحلال السوق السوداء ما هو إلا مؤشر على استمرار الإرهاب بشتى أساليبه وبالعلن وبأن الاهداف متناغمة خارجياً وداخلياً، ومن ثمّ التصدي لها يجب أن يكون بسوية الغايوية السوداء وبتضامن وتعاون وطني بتقوية دور المؤسسات واعتبار هذه الملفات أمنية بالانفتاح على الجميع للوصول إلى حل وطني شامل يفرغ أدواتهم والمتاجرة بمعاناة أهلنا.

ما وجدناه سابقاً بأسلوب الإرهاب الاقتصادي نفسه مع كل تحرير للأراضي، ومع كل انتصار ومع كل انفتاح مع دول الجوار، يدل على مسار إمبريالي لا عودة عنه، ولكن يجعلنا أمام خيار وحيد: المواجهة بكل الأدوات والضرب بيد من حديد، والبدء بتنفيذ الإصلاح الإداري من القمة وبسرعة، لأنها كانت وما زالت مشكلة التعيينات من المشاكل التي تستغل لتقويض جهودنا، فلابد من حكومة إصلاحية مع برامج واضحة صلاحيات كبيرة ومحاسبة مستمرة وتعيينات تعتمد الكفاءة، ووجدنا كيف حاولوا تقويض مشروع الإصلاح الذي طرح منذ سنتين.

تشديد العقوبات لفرض الأسعار قد يعطي مفاعيل عكسية في ظل الأدوات الرقابية نفسها، وفي ظل من يمرر قرارات تحمي المحتكرين والتجار.

وآلية التدخل الحكومي ضعيفة في ظل مؤسسات تنقاد بقوى وأسعار السوق. وفي ظل استمرار تحييد القطاع العام الذي سنحتفل بالذكرى الخامسة عشرة لطرح إصلاحه وتخبئة الملف بالأدراج.

وغالباً لم تكن معاناتنا من القانون وإنما من تنفيذه ومراقبته وتصحيح مساره،

في ظل أزمة أخلاقية مستفحلة وفساد مسرطن.

قوة القانون وتعميمه على الجميع بقوة المؤسسات هي العلاج القويم.

مهما حاولت قوى الإرهاب تجديد عقوباتها وحصارها فلن تستفيد شيئاً في بلد موارده وفيرة وشعبه مؤمن ومؤسساته رصينة.

البلد بحاجة للجميع (عام وخاص ومشترك) ولا يتعافى إلا بجهود الجميع في الداخل والخارج وضمن برنامج وطني متوافق عليه.

العدد 912 - 20/5/2020