شركات (الأوفشور) والتّهرّب الضّريبيّ

ريم الحسين:

 ورد في البيان التفصيلي اللاحق لوزارة الاتصالات – الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد، الذي تبلغ فيه الشركات الخلوية بموافاة الهيئة بالجواب النهائي بموعد أقصاه 5/5/2020 لقبولها التفاوض حول آلية تسديد مبلغ 233.8 مليار ليرة سورية كفروقات لبدل الترخيص الابتدائي:

(عقود الإدارة التي أبرمتها الشركات الخلوية مع شركات (أوفشور) (موضوع الخلل الضريبي) يتم العمل عليه من قبل المعنيين بهذا الشأن في وزارة المالية، والمبالغ المشار إليها والمستحقة لدينا لا علاقة لها بقضية التهرب الضريبي (والتي هي موضوع آخر يتم العمل عليه من قبل الجهات الخاصة به) بل بمبالغ مستحقة على الشركتين يجب سدادها لتحقيق التوازن في الرخص علماً أن الخلل الضريبي الموجود في تلك العقود يؤثر على قيمة ضريبة الدخل وعلى قيمة الأرباح الصافية لحاملي الأسهم أنفسهم).

فما هي شركات الأوفشور (offshore company) وما علاقتها بالتهرب الضريبي وغسيل الأموال؟ ولماذا تستخدمها كبرى الشركات العالمية؟

لغوياً تعني: خارج الشاطئ، واقتصادياً هي: كيان اقتصادي قانوني يتم تأسيسه في دولة أجنبية أي خارج الحدود في دول صغيرة مستقرة ومستقلة حكمها ذاتي، لا تخضع للاتفاقيات الدولية الضريبية أو لنظام قانوني معقد، وتضمن القوانين سرية الحسابات، وهي ملاذ آمن تلتجئ إليه الشركات لتجنّب الضرائب المرتفعة في البلد الأم ولتشريعات ضريبية أقل صرامة. فإما أن تكون الضرائب معدومة أو مخففة، إضافة إلى المرونة في إتمام الصفقات مع الشركات الأخرى وتحويل الأموال بسهولة أكبر. وتتميز بسهولة إنشائها دون الحاجة إلى الدخول في تعقيدات إنشاء الشركات في البلد الأساسي، فلا يتطلب الأمر سوى تقديم طلب وبعض الأوراق والثبوتيات عبر الإنترنت، عن طريق شركة خدمات مالية تجارية أو محاماة في البلد المختار حيث تقوم بإجراءات الترخيص، وبهذا يصبح هناك شركة باسم معين وبسجل تجاري ومرخصة ترخيصاً قانونياً في أحد بلدان الملاذ الضريبي الآمن وبوقت قياسي.

ظهرت شركات الأوفشور في سبعينيات القرن العشرين، وما لبثت أن ازدهرت في الثمانينيات مع رغبة بعض الدول في تشجيع جلب الاستثمار، عبر تقديم الكثير من المحفزات التي منها الإعفاءات الضريبية، والتساهل في المراقبة المالية، وعدم إجبار المستثمرين على نشر الحصيلة المالية لنشاطاتهم، وضمان سرية المعلومات الخاصة بالمستثمرين والمودعين، فهي تتيح هوامش ربح أوسع للمستثمر وتسمح له بإخفاء هويته الحقيقية، وتلزم التشريعات غالباً هذه الشركات بعدم ممارسة أي نشاط تجاري في البلد المضيف لها، كما يجب أن لا يكون المساهمون مقيمين فيه.

يتركز نشاط شركات الأوفشور في قطاعات خدمية مالية وتجارية لا تتطلب بنيات تحتية للإنتاج ولا أيدي عاملة كبيرة، مثل الاستيراد والتصدير، والاستشارات، والتجارة الإلكترونية والمعلوماتية والبرمجيات، والوساطة -سواء في البورصة التشغيل- وبيع رخص الاستثمار.

الترخيص لشركة أوف شور يتم في بلد معين، ولكنها تمارس نشاطها وتنفذ أعمالها في بلد آخر، فعلى سبيل المثال: يمكن لشركة أمريكية تعمل في مجال الشحن البحري ولها مكتب وموظفون في إحدى الولايات الأمريكية أن ترخص شركة أوف شور في قبرص مثلاً وترفع علم قبرص على سفنها التجارية بحيث تتجنب دفع ضرائب عالية على أعمالها التي تزاولها خارج أمريكا، لذلك يشترط ألا تقوم هذه الشركة بتوزيع منتجاتها في السوق المحلي التي توجد فيها.

أما عن اختيار البلد لتأسيس شركة الأوف شور فهي منتشرة في أرجاء العالم تتنافس فيما بينها في تقديم الخدمات المالية بأفضل كفاءة ممكنة، وسميت هذه البلدان ببلدان (الملاذات الضريبية الآمنة). وتعد سويسرا البلد الأكثر والأشهر في تأسيس مثل هذه الشركات، ويوجد في القائمة بنما وسنغافورة، وقبرص وجزر السيشيل وجزر العذراء البريطانية.

العمل في الخفاء هو أكثر ما يميز هذه الشركات، ولا يمكن للسلطات المالية لبلد العميل تعقّب ماله لأنه مسجل باسم المدير الصوري، ومن ثمّ فإن العميل سيتمكن من إدارة أمواله كيفما شاء دون أن يظهر اسمه في أيّ وثيقة، وهو ما يسمح له بالتهرب الضريبي وتبييض الأموال وما إلى ذلك.

وقد أصبحت شركات الأوفشور المكان الذي يخفي فيه الأثرياء والمشاهير والزعماء أموالهم للتهرب من الضريبة والرقابة عليهم في التربح من وظائفهم الرسمية وأعمالهم التجارية، ذلك أن هذه الشركات لا تؤسس من أجل ما يمكن أن نطلق عليه (المحاسبة الخلاقة) من خلال تقليص الضرائب التي تدفعها الشركات، إذ يعمد المحاسبون إلى التلاعب في حسابات الشركة بطرق محاسباتية من أجل تخفيف العبء الضريبي على الشركة، وهذا الأمر شائع في مختلف الدول على مستوى الشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، وهو يختلف عن التهرب الضريبي لو أردنا التمييز بينهما، فالتهرب الضريبي هو مخالفة قوانين الضرائب بشكل مباشر والتملص من دفع الضرائب بشكل شبه كامل، وهذا العمل تصل عقوبته لحد السجن في كثير من البلدان.

وبما أن البيئة التشريعية غير صارمة، فهذا يعطي غطاء لعمليات غسيل الأموال غير الشرعية أيضاً وتمريرها عبر القنوات الرسمية لفصلها عن مصدرها غير الشرعي، من خلال أسماء وشركات وهمية، من أجل تضليل الحكومات والمتعقبين عن إيجاد مالك الحقيقي لهذه الأموال. 

وقد فضحت (وثائق بنما)، التي تعد أكبر تسريب للوثائق السرية في التاريخ تتعلق بآلاف من الشخصيات العامة من المشاهير ورجال المال والأعمال والسياسة والشركات والحكومات ومن بينها شركات الأوفشور، العمليات غير القانونية لهذه الشركات، وعن تسهيل إخفاء الثروات خلف كيانات قانونية اعتبارية للتهرب الضريبي، إضافة إلى العمليات غير المشروعة مثل تجارة البشر وتمويل الجماعات الإرهابية حول العالم، فقد أكدت هذه الوثائق أن معظمه يتم عبر هذه الشركات، وهي سوق حجمه يفوق ٢٢ تريليون دولار حول العالم.

والجدير بالذكر أن (شركة سيريتل) كشفت ضمن بياناتها المالية لـ2019، عن إنهاء التعاقد مع شركتي (إي تي أس ليمتد) أوف شور، و(أس تي أس) أوف شور، بتاريخ 23 كانون الأول العام الماضي، معلنةً توقيف تسجيل الأتعاب الإدارية للشركتين، وذلك بعد أيام من إشارة (الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد) إلى وجود خلل ضريبي بالعقد مع هاتين الشركتين.

وقاربت قيمة الأتعاب الإدارية المدفوعة لشركتي الأوف شور المذكورتين 10.83 مليارات ليرة سورية، عن الفترة من 1 كانون الثاني حتى 23 كانون الأول من 2019، وذلك ضمن البيانات المالية النهائية المنشورة لـ(سيريتل) عن 2019 بحسب موقع الاقتصادي.

العدد 912 - 20/5/2020