الدراما السوريّة تحت المجهر

يارا بالي:

تُعدّ المسلسلات التلفزيونيّة وجبةً دسمةً على المائدة الرمضانيّة، ينتظرها كثيرون من عامٍ إلى عام بشغفٍ شديد، حتى غدت هذه الأعمال طقساً تقليديّاّ من طقوس رمضان، ومحفلاً سنوياً دراميّاً، تُعرض فيه عشرات الأعمال على اختلاف مستواها، واختلاف الرسالة التي تؤدّيها.

وهنا يكمن السؤال الأهم: هل استطاعت الدراما السوريّة، أن تلامس الواقع المعيش، وتحاكي المجتمع، فتعكس همومه ومشاكله على اختلافها، لتصل إلى الهدف الأساسي من صناعتها، أم أنها ضلّت الطريق، وانحرفت عن مسارها المنشود؟!

فإذا ما نظرنا إلى المستوى الفني الراهن للأعمال الدراميّة، سنجد أنّ التدنّي والضياع، هما أسياد الموقف، وأن الرسالة الراقية، والقيمة التي كانت الأعمال الخوالي تحملها آنذاك قد تغيّرت حالياً وحلّ محلها المال والشهرة، وغدا الطابع التجاري هو الغالب على المشهد الدراميّ بصورة عامة.

هذا من ناحية المستوى العام للدراما، أما من ناحية تأثير هذا الواقع الدراميّ على الواقع المجتمعي، فممّا لا شك فيه أن للدراما تأثيراً واضحاً وجليّاً على الأسرة وسلوكيات الأفراد فيها، من خلال ما تعرضه من قضايا وآليات لعلاجها، ففي السنوات الأخيرة كَثُرت صور العنف، و(البلطجة) والجريمة، والتمرّد على القانون، والاستخدام الكثير للأسلحة، كما كَثُرت مشاهد حرب العصابات، وانتشار المخدرات، والتحرّش، وأفكار الانتقام في الدراما السورية، هذه الصور التي شجعت السلوك السلبي بشكل واضح، وكبير، في أوساط الفئة الشّابة والمراهقة من خلال تقليدهم لأدوار شخصياتهم المفضّلة، هذا التقليد الذي وصل إلى حدّ تقمّص هذه الأدوار، حتّى في الشكل الخارجي، وبذلك يغدو هذا الجيل مُخدّر العقل، مسلوب الإرادة.

كما ظهرت بعض الأعمال التي غيّرت في الملامح التاريخيّة عامةً، وفي التاريخ الدمشقِيّ خاصةً، وعكست أحداثاً مزوّرة وسلبيّة خرّبت عقول الجيل الناشئ، وقدّمت معلومات مغلوطة، ترسّخت في أذهانه، كما أساءت للتاريخ الوطنيّ أمام الدول التي عرضت هذه الأعمال على منابرها الإعلاميّة، كل هذا بهدف زيادة نسبة المبيع، وزيادة عدد المتابعين لها.

كما ساهمت بعض الأعمال بزيادة نسب الطلاق الأسريّ، ونشر أفكار أدّت إلى الانحلال والتفكّك في العائلة الواحدة، من خلال الترويج لقيم وسلوكيات دخيلة على المجتمع، كالتشجيع على الخيانة، وهجر الزوجة، والتمرّد على الأبوين، كما جعلت الأزواج ناقمين على حياتهم، وأصبح شعور عدم الرضا هو السائد، مقارنةً بما تقدّمه الدراما من صور خياليّة منافية للحقيقة والوقائع.

وممّا لا شكّ فيه أن أحد أهم النقاط السّلبيّة التي برزت في السنوات الأخيرة للدراما هي التّركيز الكثيف على المظهر الخارجي للممثلين الذكور عامةً، والإناث على وجه التحديد، من خلال اللباس الفاضح، المُغاير لثقافة المجتمع، والتّبرج المبالغ فيه وغير الملائم للدور، للدرجة التي يصل فيها المشاهد إلى حالة من التشتّت، والانجذاب باللاوعي إلى المظاهر الشكليّة في العمل بعيداً عن جوهره.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، وإنما تجاوزه ليصل إلى الموقع، والأثاث، وكل ما هو ماديّ، ويغدو جلّ التركيز على فخامة المشهد، أكثر من التركيز على العمق المطلوب لإيصال الرسالة الإنسانيّة المرجوّة، وغدت القوة الإنتاجيّة، هي حجر الأساس في العمل، على عكس الإنتاج الفنّيّ في السابق، الّذي كان معظم العناية فيه يستند على (السيناريو) والأداء الخلّاق للفنانين، بعيداً كل البعد عن هذا التلوّث البصريّ الذي تبثه الأعمال الدرامية الحالية، وبالتالي كانت المسلسلات أكثر بساطة، وأعظم محتوى.

أختم قولي (بأن السلبيات التي تتضمّنها بعض الأعمال، لا تعبّر عن المجتمع، ولا يجب أن نقول عنها واقع يجب تداوله) بل على العكس وجب على صُنّاع الدراما، أن يسلّطوا الضوء على الصور الجيدة في المجتمع ليخلقوا شيئاً من التوازن في عجلة الأحداث الدراميّة، وليكونوا جسر عبور إلى كل ما هو قيّم، ويساعد في نهضة المجتمع وتقويمه، فما الفنون بشتى أشكالها إلاّ غذاءً للروح، ومرآةً تعكس واقع الشعوب، وحضاراتها على مرّ العصور، فهي طاقة عظيمة العمق، نابعة من حاجة الإنسان للتعبير عمَّا يدور في خلجات نفسه وروحه من أحاسيس، ومشاعر متنوعة.

العدد 938 - 02/12/2020