دراما رمضان تبطل الصيام.. فما هي رسالتها للمجتمع؟

أنس أبو فخر:

(أعطني مسرحاً، أُعطِك شعباً!) هذا ماقاله نابليون بونابرت، في الدلالة القوية على إمكانية تأثير الفن والمسرح في المجتمع، وقدرته على رفع الوعي والثقافة والتحرّر الفكريّ لدى الفرد، ولن أدخل بمأساة المسرح السوري، إنما الحديث على الفن الدرامي، الذي لو تساءلنا اليوم ما المجتمع الذي نريد بناءه من خلال الأعمال الدرامية التي تُطرح مؤخراً؟

بالتأكيد لا نستطيع التعميم، ولكن غالبية الأعمال سورية الصنع، تقع تحت المدى المجدي لسهام الانتقاد والسؤال، فالدراما في سورية بعد عصر من الازدهار والمنافسة، أخذت وبجهودٍ حثيثة من (هواة الفن والموديلز) تأخذ طريق الانحدار، وتبتعد عن دورها الرئيسي في أن تكون مرآة المجتمع، وأصابع الإشارة على الأخطاء والمفاهيم الخاطئة والفساد، في شتّى ألوانها وأنواعها.

تشويه حضاري وتاريخي وتكريس الجهل في العقول

بالنظر إلى العديد من أعمال البيئة الشامية، نجد أنها تُستَغَلُ بقصد أو بغير قصد في تكريس المفاهيم الخاطئة، وطمس هوية المجتمع وحضارته وتعويم عادات وتقاليد بالية، يصفها المتنورون والعلمانيون السوريون بـ (بدونة المجتمع) فقد وقعت في فخ التكرار والاستنساخ لسابقاتها من الأعمال، وبات كل مسلسل يرتبط بتاريخ المستعمر الفرنسي ويقوم بمحاولة تجسيد حالة الشام والدمشقيين خصوصاً، بحارة لها رجالاتها وعقيدها وزعيمها وألقاب أكل عليها الدهر وشرب، فإصرار الكُتّاب على بناء شخصيات كهذه في المسلسل يدل على تمسّك المجتمع بالحالة الإقطاعية والتنظيم الاجتماعي السائد أواخر الاحتلال العثماني، إضافة إلى التهميش المُمنهج لدور الكُتّاب والمثقفين والطبقة السياسية في المجتمع آنذاك، الذين كان لهم الدور الأبرز في النهضة العربية وعصر التنوير العربي، كذلك في إنهاء الاحتلال العثماني لسورية الكبرى، ففي حقبة ملحمة باب الحارة مثلاً -والعديد من المسلسلات ولكنه أشهرها- كان لسورية رؤساء جمهورية ودستور، إضافة إلى انتهاء الثورة المسلحة عام 1927 وبداية الحراك والكفاح السياسي، أي أن البلاد كانت تعبر منعطفاً حسّاساً امتزج مابين السلاح والقلم، القوة والفكر، ولكي لا أُسهب بالحديث عن التاريخ والوجه الحضاري لأقدم عاصمة في التاريخ، سأتحدث بإيجاز عن نقاط سلبية تنعكس على المجتمع بهذه الأعمال الفانتازية، وأبدأ من المرأة، المرأة السورية والدمشقية خصوصاً التي مازالت لليوم تعاني من انتقاص لحقوقها وحريتها، لا تصوّر في هذه المسلسلات إلّا كآلة وخادمة في المنزل وليس لها أيّ رأي، ومقابل كلمة واحدة تقولها تُعنّف لفظياً وجسدياً وترمى بكلمة الطلاق، في الوقت ذاته كانت المرأة في سورية من أكثر النساء العربيات ثقافة وحرية، وتصوير فكرة تعدد الزوجات كما لو أنه إرث حضاري وليس جريمة إنسانية بحتة ترتكب إلى اليوم بغطاء شرعي، إضافة إلى تعويم فئة شرذمية وبلطجية كانت من مخلفات الاحتلال العثماني وتجميلها كصورة حضارة سائدة تحمل ألقاب العقيد والزعيم والآغا والأفندي والخانم وغيرها، إذ لم تكن هذه الألقاب توهب إلّا للبلطجية وشذّاذ الآفاق وعملاء الاستعمار، إضافة إلى طمس الإنجازات الحقيقية والحركات التي شهدتها دمشق، ومن أبرزها الجمعيات الفكرية والمنتديات الثقافية والمشافي والمدارس والجامعات مثل جامعة دمشق التي يعود تأسيسها لعام 1923 وقد حملت حينها اسم الجامعة السورية، هذا الأمر يدل على حالة الوعي والثقافة المنتشرة في تلك الحقبة وتُعتّم عليها هذه الأعمال المُستنسخة، والكثير أيضاً من النقاط التي تمرُّ على المشاهد وتترك داخله أثراً عنفياً وغير أخلاقي، والأهم من هذا كله أنه غير حقيقي.

علامة تسويقية تجارية بجودة رديئة

إن الأعمال الشامية للأسف في الفترة الأخيرة أصبحت علامة تجارية لبعض شركات الإنتاج، وأصبحت أداةً لإفساد المجتمع بدلاً من أن تكون عنصراً قومياً وجامعاً للمجتمع ومنصفاً أكثر، كما أن الأعمال الأخيرة أحدثت تشويهاً ليس فقط للتاريخ، إنما لفئات المجتمع وطوائفه، فمثلاً محافظة السويداء وخلال الثورة السورية الكبرى ما بين عام 1925-1927 كانت قد قدّمت نصف الشهداء فيها، تمّ تصوير أحد أبنائها في ملحمة باب الحارة على أنه هارب ومنغمس بالحب واللهو واختطاف فتاة من غير مذهبه واختبائه في حارة الضبع، ومن ثم فهي أعمال لا ترسل إلّا أفكاراً وعادات بالية، ولا تُعزّز إلّا روح التعصّب والجهل، وتطمس هوية الشام وتشوّه التاريخ وتهمّش فئات المجتمع.

ولكيلا أتحدث فقط عن النواحي السلبية، يُعتبر مسلسل الخوالي أفضل من جسّد روح التآخي في المجتمع من خلال شُبّان ثلاثة من طوائف مختلفة صنعوا مقاومة حقيقة في وجه العثمانيين، ومن الإشارة إلى حالة المجتمع تحت وطأة الاستعمار العثماني، فشتان ما بين الأعمال السابقة وأعمال تخريب المجتمع الحالية والمستمرة.

أعمال منافية للواقع!!

وبالخروج من الحارة الشامية وتناول باقي الألوان الدرامية، للأسف نرى أن عنصر الإقناع والواقعية يتلاشى في بعض الأعمال، وإصرار شركات الإنتاج والمخرجين على السير في هذا المستنقع غير الفني غريب، فالموسم الرمضاني أصبح يُبطل صيام الصائم، لما يحتويه من أفكار وحالات فردية تُعمّم على المجتمع بطريقة أو بأخرى، كذلك غياب الرسالة الحقيقية لهذا العمل، فلا نرى شيئاً يشبه ما قدمه مسلسل (أهل الغرام) مثلاً من رسائل وحالات حقيقية لامس فيها وجع المجتمع والأفراد، أو مسلسل (لعنة الطين، غزلان في غابة الذئاب، والولادة من الخاصرة) الذي نطق بصوت من لا صوت لهم، أو أعمال اجتماعية راقية كالفصول الأربعة الذي ناقش العديد من الأفكار الاجتماعية بقالب اجتماعي كوميدي خفيف، وغيرها كثير من الأعمال التي كانت تترك أثراً بنّاءً في المجتمع. للأسف، اليوم نجد أن كثيراً من الأعمال في الفترة الأخيرة أصبحت مجرّد استعراض لموديلز واستعراض للفشل والانحلال الاخلاقي في المجتمع، وتعويم شخصيات منبوذة وشاذّة كالمهربين وأصحاب النفوذ، وتصويرهم على أنهم ركن إيجابي في المجتمع، هذه الأفكار التي تترك أثراً كبيراً في نفوس الأطفال والمراهقين، فقد أصبحت هذه الفئة بفضل أعمال كهذه لا تميّز بين الصواب والخطأ، فقط تريد أن تتقمّص الشخصيات وحسب، حتى أن أحد الأعمال بأجزائه الثلاثة وهو صرخة روح، علّق عليه روّاد التواصل الاجتماعي أنّه من الأفضل أن يُعرض على المواقع الإباحية وليس على قنوات التلفزة، لأن كل مافيه هو قصص الخيانة الزوجية وبيع العذرية وحالات قذرة موجودة بكل مجتمع وبكل مكان وزمان، فلم يُرسل هذا المسلسل من رسالة للمجتمع سوى تصوير هذه الحالات وكأنها حالات عامة، وتصوير المرأة السورية على أنها خائنة، وتمّت زعزعة الثقة بين الأزواج بسبب تأثيرها النفسي وتقاطعها مع بعض الحالات الاجتماعية، وتبسيط أفكار الخيانة والعلاقات الخارجة عن مفهوم الحب بسبب استنساخ الأعمال التركية وغيرها دون النظر إلى اختلاف الثقافة بين المجتمعات، كما هو الحال في الكثير من الأعمال التي تفتقد للواقع وللحقيقة، وقد أصبح السوري اليوم، يتنبأ بأحداث المسلسل منذ الحلقة الأولى لكثرة الاستنساخ في الأفكار والتكرار، ويبقى السؤال بعد نهاية الحلقة الأخيرة : ماهي الرسالة من هذا العمل؟!

في النهاية لابدّ من الإشادة بالعديد من الأعمال الدرامية التي تقدم مستوى راقياً وهادفاً، وتتحدث بصوت من لا صوت لهم، ولكن أجزم أن القارئ يمكنه التمييز بعناية بين الأعمال الساقطة والأعمال المحترمة التي تستحق المشاهدة والثناء.

العدد 937 - 25/11/2020