الدّراما السّوريّة… من وجوه الكارثة

ريم الحسين:

يبدو أنّ آثار الحرب على سورية لم تقتصر على تردّي الوضع المعيشيّ فقط، وإنّما تعدّتها إلى رداءة مثيرة للاستغراب والاشمئزاز في الدّراما السّورية لهذا العام تحديداً، ولا تُستثنى الأعوام السّابقة من الهبوط إلى القاع، لكنها هذا العام تخطّت نقطة الحضيض.

الغريب أنّ الوزارة المختصة والجهات الّتي تُشرف على الإنتاج التلفزيونيّ والإذاعيّ في غيبوبة، فالمعلوم للجميع أنّ الموسم الرمضانيّ لكلّ عام هو النّافذة الّتي تستحوذ على أكبر نسبة مشاهدات واهتمام وتسويق للأعمال والأفكار، ويعمل صنّاع الدّراما على استغلال هذا الموسم لترويج أعمالهم وإيصالها إلى أكبر عدد من القنوات التلفزيونيّة والنّاس، أو تحتكر بعض القنوات هذه الأعمال ويكون المقابل الماديّ كبيراً جدّاً. ومن هذه النّقطة نجد أنّ معظم الأعمال السّوريّة تجاريّة أصبحت تهدف للرّبح الماديّ بغضّ النّظر عن المحتوى المُقدّم ورسالته، قصصٌ مكرّرةٌ كأعمال البيئة الشّاميّة وفترة الاحتلالين العثمانيّ والفرنسيّ، وأصبح لدينا ما يكفي منها لعشرات السّنين إن كان الهدف هو إظهار تاريخ هذه الفترة، واللّافت أنّ أغلبها يرّكز على التّخلف الاجتماعيّ والفكريّ وليس توثيقاً للتّاريخ، أو دراما اجتماعيّة لا تمتّ للواقع بصلة إلّا ما ندر، أو تأخذ جانباً صغيراً من تكوين المجتمع وتركّز على رؤوس الأموال والأشرار من القتلة وتجار المخدرات والبذخ والتّرف الفاضح وما إلى ذلك من السّيناريوهات التّجاريّة السّيئة، وبالرّغم من ذلك ليس هذا هو السّبب الرئيسيّ للنّقد في هذا المقال، وإنّما تجاهل صنّاع الدّراما لأيّ عملٍ ضخمٍ يُحاكي أحداث سنوات الحرب الطويلة، وخصوصاً ما قدّمه الأبطال من أبناء هذا الوطن ليبقى وطناً يستطيعون فيه الكتابة والتّمثيل! وقد اقتصرت الأعمال الّتي عرضت جانباً من الحرب على فيلمين ملحميّين للمخرج نجدت إسماعيل أنزور، وهما (ردّ القضاء) الّذي وثّق جزءاً من بطولات جيشنا أثناء حصار سجن حلب المركزيّ، و(دم النّخيل) الّذي عُرض فيه بعض الأحداث في مدينة تدمر، لكن ليس صدى الأفلام كالمسلسلات وخصوصاً استغلال الموسم الرمضانيّ لعرض هذه الأعمال، بالرّغم من النجاح الكبير الّذي حقّقه هذان الفيلمان، لكن لا يكفي فنحن بحاجة إلى عشرات الأعمال المشابهة على الأقل!

الملحمة المصريّة (الاختيار) المسلسل الّذي وثّق عمليات محدودة للجيش المصريّ ضد الإرهاب من خلال قصة شهيد منه والّذي لاقى رواجاً واسعاً وتعاطفاً كبيراً تجعل المشاهد ينتظره حتّى ولو لم يكن من محبي المسلسلات والمتابعين بشغف لها. ودون الدّخول في التّفاصيل من كتابة السّيناريو إلى الإخراج والتّمثيل، تعيش أنت كمواطن سوريّ تعرّض لأقذر عمليات الإرهاب على مرّ التّاريخ مشدوهاً وكأنّ الأحداث تمُسّك بكلّ تفصيل، وتستغرب عدم وجود دراما سوريّة موازيّة رغم أنّ ما تعرّضت له مصر الشّقيقة لا يعادل جزءاً بسيطاً من الأحداث الإرهابيّة الّتي عاشها وطنك، فهناك آلاف الشّهداء والعمليات العسكريّة والأمنيّة والملاحم الّتي سطرها هؤلاء الأبطال، ألا تستحقّ ولو عملاً واحداً يوثّقها ويعرض للمشاهد بعض الحقيقة ويعيده للمجد الذي شرّفنا به أبطال جيشنا على مدار عشر سنوات!

 ويأتي مسلسل مصري، ومن ضمن بعض المشاهد، يوثّق تآمر العدوّ العثمانيّ على عدة بلدان ومنها سورية، في إشارة لانشقاق الضّابط المصريّ الّذي موّلته تركيا وأرسلته لتدريب المرتزقة على أرضنا ومن ثمّ إلى مصر! فضلاً عن جنون دعاة الإرهاب ومموّليهم من عرض المسلسل، وهذا دليلٌ على أنّ الدّراما أيضاً سلاح في مواجهة الأعداء وإرهابهم.

قد لا تهتمّ القنوات الشّهيرة الّتي تآمرت بلدانها علينا بشراء هذه النّوعيّة من الدّراما ولن تدفع الملايين لعرض ما تحاول هي طمسه، لكن يكفي أن تُعرض على القنوات السّورية والقنوات الصّديقة، وليكن تمويلها مرتبطاً بالحرب الإعلاميّة وليس بهدف الرّبح والمتاجرة، فهناك ما يكفي من الأعمال الرّديئة والسّخيفة تقوم بهذه المهمة على أكمل وجه، وربما ستجد صدى في مختلف البلدان وستكون في إطار إيصال الحقيقة للشعوب المغيّبة عمّا يحدث وتبقى في الذّاكرة الوجدانيّة لمكتبة الأعمال السّوريّة، فلا تكفي نشرات الأخبار والبرامج وإنّما تضافر الجهود بشكل كامل، فالفنّ رسالة ورسالتنا الحاليّة والأهمّ هي الحرب الظّالمة الّتي عاشها وطننا الحبيب.

الدّراما السّوريّة الّتي شهدت نهوضاً كبيراً وانتشاراً سريعاً تعود لتكبو على وجهها وتمرّغ أنفها في التّراب، وبذلك تؤكّد لنا سوء الإدارة والفكر الاستراتيجيّ لصنّاعها وللمسؤولين في كلّ الوزارات الّتي أثبتت فشلها تباعاً على الصّعد كافّة، فإذا كانت الوزارات المعنيّة باقتصاد البلد في أسفل منحنى العمل والنّهوض، فكيف بوزارات الإعلام والثّقافة وما إلى ذلك مع أنّها جميعها مرتبطة ببعضها لخدمة الوطن والمواطن؟!

 ويجب أن تعمل هذه الوزارات بتكامل للوصول للأهداف المرجوّة لدرء آثار الحرب والتّخفيف منها ومواجهتها والبدء بإعادة الإعمار بكلّ ما يعنيه هذا المصطلح وما يشمله من فكر وآليات.

يستحقّ فرساننا أعمالاً دراميّة تعرض كلّ تضحياتهم وملاحمهم ومعاناتهم، ويستحقّ وطننا أن يتمّ توثيق هذه المرحلة الّتي يعيشها الآن وليس بعد سنوات طويلة، وهذا واجبٌ وتكليفٌ وليس تشريفاً وأن يعمل أبناؤه مهما كانت طبيعة أعمالهم ووظائفهم على استثمارها في خدمته والوقوف إلى جانبه في محنته.

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

العدد 917 - 1/07/2020