إعادة إعمار أم تنمية شاملة ومستدامة؟

بشار المنيّر*:

بعد ثماني سنوات من الأزمة وغزو الإرهابيين، فُتحت أمام البلاد آفاق جديدة إثر الإنجازات التي حققها جيش سورية الوطني وحلفائه، بعد استعادته لمعظم الأراضي السورية، وتكثف المساعي الدولية الهادفة إلى حل الأزمة السورية عبر الطرق السياسية، ونهضت أمام البلاد مهمة تنفيذ استحقاق استثنائي، لا يقل أهمية عن استحقاقات الميدان، بل ربما يكون أصعب في ظل ظروف دولية مضطربة، يعمل على تصعيدها، سلوك الإدارة الأمريكية وحلفائها في الغرب، وأتباعها في المنطقة العربية. إنه استحقاق إعادة إعمار ما خربته تداعيات الغزو الإرهابي، والذي يتوقف على تحقيقه بنجاح المستقبل السوري برمته.

ولأسباب نعتقد أنها ترتبط بالمخطط الذي رسمته الإدارة الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط، أخذ الاهتمام الدولي باقتصاد سورية (ما بعد الأزمة) يظهر كعامل خارجي ضاغط نحو اختيار سياسات اقتصادية ليبرالية، يجري تسويقها كحل وحيد لإعادة الإعمار، وهذا الاهتمام لا ينحصر فقط في الأجندة التي أعدّتها (الإسكوا) بل ظهر في العديد من الدراسات والأبحاث والندوات التي تُنظم في الدول الأوربية لرسم خريطة طريق لمستقبل سورية الاقتصادي.(1)

سنوات الجمر         

واجهت سورية أزمتها المركبة بهياكل اقتصادية منهكة، وقطاع عام صناعي وخدمي ضعيف ومتخلف، بعد محاولات حثيثة لخصخصته، فتوقف العديد من المصانع والمعامل والورش الخاصة، وتشكل تحالف دولي معادٍ لسورية تقوده الولايات المتحدة بمشاركة أوربا وتركيا ودول النفط العربية. وفرضت حصاراً اقتصادياً أدى إلى فقدان مستلزمات إنتاج الصناعات السورية، وغذاء ودواء المواطن السوري، وتراجع سعر صرف الليرة السورية مقارنة بالقطع الأجنبي من 48 ليرة إلى 600 ليرة للدولار الواحد، وارتفعت أسعار جميع السلع والخدمات بنسب تراوحت بين 300 – 900%، وتوقفت المشاريع الاستثمارية، وجرى تدمير إرهابي ممنهج للبنية التحتية، كقطاعات الكهرباء والمياه والسكك الحديد والمنشآت الصناعية وآبار النفط والجسور والطرق الدولية. وحسب المصادر الحكومية والخاصة، فقد بلغ مجمل الخسائر التي تسببت بها الأزمة، من دون الأخذ بالحسبان خسائر المواطنين، نحو 350 مليار دولار.

أما على الصعيد الاجتماعي، فقد هُجِّر الملايين تهجيراً قسرياً، وفقد نحو مليونين ونصف مليون مواطن فرص عملهم، وارتفعت نسبة البطالة إلى نحو 55%، وتوسعت بؤر الفقر، وبلغ معدله نحو 73%.

حاضنة الإرهاب

من مراجعة التجربة السورية مع المنظمات الإرهابية، يتبين لنا أن الحاضن الاجتماعي للإرهاب الذي تستّر بالعقائد الدينية، كان يتركز ضمن الأحياء الأكثر فقراً في المدن، لكن البيئة الأكثر اتساعاً كانت في أرياف المدن الكبرى، خاصة الأرياف التي شهدت تهميشاً من قبل الحكومات المتعاقبة منذ ما بعد الاستقلال حتى يومنا هذا، وخاصة في المنطقة الشرقية والشمالية، والسبب هنا يبدو واضحاً، فالمنظمات الإرهابية كانت تستغل الفقر والبطالة والتخلف لتطرح مشروعها (الجهادي) من أجل العدالة ورد الظلم أمام مجموعة كبيرة من الناس المؤمنين البسطاء، وربما اليائسين من عدالة الأنظمة السياسية، وبالطبع فإن هذا لا يعني بالضرورة عدم وجود مؤيدين وأتباع للفكر الإرهابي في المدن الكبرى، بل وفي الأحياء الأكثر ثراء ضمن هذه المدن. (2)

جاء في تقرير الفقر متعدد الأبعاد في سورية بين أعوام 2001 و2009، الذي صدر في عام 2014، ضمن خطة التعاون بين المكتب المركزي للإحصاء، وهيئة تخطيط الدولة في سورية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، أن نتائج دليل الفقر على مستوى المحافظات كانت متباينة، وكانت المناطق الشرقية والشمالية، وإلى حد أقل ريف دمشق في المنطقة الجنوبية، تضم أعلى نسبة ممن يعانون الفقر في عام 2009.

قبل بداية الأزمة السورية، وفي عام 2010 بالتحديد، طرحت هيئة تخطيط الدولة مشروعاً لتطوير أفقر 100 قرية في البلاد، تتوزع على المناطق الشرقية والشمالية، وتشترك بمؤشرات مرعبة، إذ تبلغ فيها نسبة البطالة نحو90%، ونسبة الفقر 80%، ونسبة الأمية نحو75%، لكن هذا المشروع لم يكتب له الاستمرار.

تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة

استناداً إلى المؤشرات السابقة، فإن عملية الإعمار، بخصوصيتها السورية، تعني أكثر من البناء، والتصنيع، وإنتاج المحاصيل، لقد جعلت مجريات الأزمة السورية هذه العملية، وينبغي، حسب اعتقادنا، أن تجعلها خطة شاملة لبناء الإنسان السوري الجديد أيضاً، الإنسان الإيجابي، الديمقراطي، المتمسك بانسجام مجتمعنا الذي هدَّدتْه دعوات التطرف، والتفتيت الديني والطائفي، والارتقاء إلى مجتمع علماني يعطي (ما لله لله وما لقيصر لقيصر) وهذه عملية قد تكون أكثر إلحاحاً وأهمية من البناء المادي للحجر والشجر.

هنا تندمج مهام إعادة إعمار سورية مع مهام تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة

التي تعمل على إعادة إعمار البنى التحتية، وإنهاض القطاعات المنتجة، وفي المقدمة منها الزراعة والصناعة، وبشكل متزامن العمل على التنمية الاجتماعية، وخاصة تطوير المناطق المتخلفة اقتصادياً واجتماعياً وتربوياً، وسنّ التشريعات الاجتماعية التي تقوض التخلف الاجتماعي وخاصة ما يتعلق منها بوضع المرأة السورية، ومساواتها بالرجل.

إن نظريات التنمية القائمة على رؤية اقتصادية بحتة، فشلت في تحقيق النقلة النوعية في حياة الناس، فالمفاهيم الكمية والمؤشرات الإحصائية لم تأخذ بالحسبان الإنسان المشارك في عملية التنمية. إن التنمية خاصة في الدول الأقل نمواً هي مسؤولية الدولة، فالمهام الاجتماعية لا يستهدفها القطاع الخاص إلا نادراً، لكن هذه التنمية يجب أن تكون عملية تبادلية، أي من الدولة إلى المجتمع ومن المجتمع إلى الدولة، فالتنمية السلطوية المفروضة من فوق تنتج أزمات اجتماعية، لذلك فإنّ توسيع المشاركة الشعبية، عن طريق إشراك المجتمعات الأهلية في الريف، وهيئات المجتمع المدني على تنوع تنظيماته، في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية يضمن لهذه العملية سيرورتها المنطقية، الملبية لمصالح الجميع، مما يتطلب تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والجمعيات، لتأتي تعبيراً عن خيارات المجتمع.

حق التنمية

إنه حق أساسي، على قدم المساواة مع حقوق الإنسان الأخرى التي  أقرها المجتمع الدولي، إنه حق الإنسان في التنمية الذي صدر عن الأمم المتحدة في عام 1986 والتي استندت في إصداره إلى الإعلان العالمي  لحقوق الإنسان، ويشكل هذا الحق للإنسان توسيعاً لحقوقه لتشمل الظـروف المادية التي تحد من إمكانات غالبية البشر من المساهمة والانتفاع بثمار تـنمية المجتمعات، وعلى ذلك فإن التنمية التي تضمن للإنسان حقوقه هي (عملية اقتصادية  وسياسية واجتماعية وثقافية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم دون تمييز على أساس مشاركتهم النشيطة والحرة في هذه العملية، وأيضاً في التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها) (3)

إن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية استناداً إلى نموذج اقتصادي تنموي تعددي، سيمارس تأثيره لا في البنى الاقتصادية وقطاعات الإنتاج، أو في التبديل الجذري للأوضاع الاجتماعية والمعيشية، لجماهير الشعب السوري فقط، بل ستمتد مفاعيله أيضاً إلى الأوضاع السياسية في البلاد، إذ يساعد في تحقيق الاستقرار المجتمعي، ويدعم النظام السياسي الديمقراطي، ويعمل على إدماج جميع المناطق في صلب العملية الاقتصادية والاجتماعية، ويقلل إلى حد كبير مخاطر وجود بيئات اجتماعية خارج السياق العام المتناغم في البلاد، وبالتالي تجفيف الحواضن الاجتماعية والمادية التي تشجع وتدعم الفكر الإرهابي.

ونحن نرى أن ذلك لن يتحقق بالاستناد إلى سياسات اقتصادية كانت السبب في تحجيم قطاعاتنا المنتجة، وفي إثارة غضب الجماهير الشعبية، بل يتحقق بعد توافق السوريين على نهج اقتصادي تنموي، تعدّدي، استناداً إلى خطة مركزية حكومية، يساهم فيها القطاع الخاص والرساميل الوطنية، خطة تضمن التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي الناتج عن قطاعات الإنتاج الحقيقي لا الريعي، ومتطلبات التنمية الاجتماعية، تتوزع على مدد زمنية محددة. ولتنفيذ هذه الخطة تُستخدم المواردُ المحلية الحكومية، ومساهماتُ القطاعات الخاصة المنتجة، كما يمكن الاستفادة من قروض الدول الصديقة والشقيقة، وقروض الصناديق المالية الدولية غير الخاضعة لهيمنة الأمريكيين، ومن برامج التنمية التابعة للأمم المتحدة، والمنح والتبرعات غير المشروطة، وسندات الخزينة المخصصة حصراً لتنفيذ مشاريع الإعمار، والاعتماد في تنفيذ هذه المشاريع على الشركات والمؤسسات الحكومية، خاصة شركات الإنشاءات العامة.

ونقترح أن تتركز خطة الدولة التنموية على الأوليات التالية:

1-تلافي السلبيات التي تولدت عن السياسات الاقتصادية والممارسات البيروقراطية في العقد الماضي، ونخص منها ما يتعلق بالبطالة وفجوة الدخول والثروات، وبالتالي ضمان وتوفير أسس العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وما يترتب عليها من شروط اقتصادية واجتماعية تمنع الاستغلال وتحدّ من التعدّي على حقوق المواطنة وحقوق الإنسان عامة، وتؤمّن للجميع المساواة أمام القانون، وتحقق الكرامة والعيش المشترك للجميع. (4)

2-السعي الجدي لعودة جميع المناطق التي كانت تحت سيطرة المجموعات الإرهابية إلى حضن الوطن، فبعض هذه المناطق تؤمّن الموارد اللازمة لتمويل الخطة العتيدة، وخاصة المنطقة الشرقية التي تعد مستودع الغذاء ومكمن الثروة النفطية.

 3-إعادة تأهيل البنية التحتية وفق برنامج زمني يأخذ بالحسبان مستلزمات إعادة إقلاع قطاعات الإنتاج الرئيسية، ونعني هنا تأهيل الطرق ومشاريع الطاقة الكهربائية وسكك الحديد وغيرها.

4-الحفاظ على ملكية الدولة وإدارتها للمرافق الحيوية والاستراتيجية، كالمرافئ والمطارات وقطاعات الكهرباء والمياه، وتحديث طاقمها الفني والإداري، وإعادة النظر ببعض التشريعات التي تفوح منها رائحة خصخصة هذه المرافق.

5-دعم صناعتنا الوطنية وتحديثها، وتقديم ما يلزم من تسهيلات كي تصبح هذه الصناعة فعلاً، لا قولاً قاطرة التنمية في البلاد.

6-مكافحة الفساد بجميع أشكاله وتجلياته، فهو يعطل تنفيذ الخطط التنموية، ويحبط آمال الجماهير الشعبية بأي جهد لتحقيق التنمية.

* نشرت في مجلة (المشهد) السورية_ تموز 2019.

المراجع

1-سيناريو الإسكوا الذي قدمه السيد عبد الله الدردري.

2-التنمية في مواجهة الفكر الإرهابي، بشار المنيّر، مجلة الاقتصاد والإعمار– لبنان.

3-نشرة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة نيسان 2004.  4-اقتصاد اليوم التالي- د منير الحمش.

العدد 912 - 20/5/2020