عودة إلى أزمة عام 2008: جذور الانزياح إلى اقتصاد السلع

ورد كاسوحة:

المشكلة التي تواجهها الاقتصادات الرأسمالية حالياً، نتيجة لتبعات الوباء، تختلف جزئياً عمّا واجهته في عام 2008. حينها، تمثّلت الأزمة بتعثُّر سداد القروض العقارية التي تراكمت في الاقتصاد غير الحقيقي للولايات المتحدة، إثر لجوء المصارف إلى عمليات إقراض واسعة من دون تغطية فعلية، ولشرائح تستهلك أكثر ممّا تنتج، ولا تستطيع في حال أنتجت تملُّك أي عقار بالشروط المجحفة التي وضعتها المصارف. والحال، أنّ هذه الأموال فضلاً عن كونها دفترية، فهي أيضاً لم تُعطَ مقابل استثمار حقيقي، بل كانت تزيد من فرص تعطيل العملية الإنتاجية، عبر جعل المال يذهب مباشرةً من المصرف إلى القطاع العقاري الذي كان يتوسّع على حساب القطاعات المنتجة الفعلية، وبطريقة تخلو من أيّ قيمة فعلية لهذا الانتقال للرأسمال.

ليس ثمّة استفادة هنا من هذا الإقراض على أيّ صعيد، حتى بالنسبة إلى أولئك الذين اعتبروها قروضاً سكنية يمكن الاستفادة منها، في ظلّ عدم وجود أيّ نوع من الضمانات الاجتماعية أو التأمين على الحياة. البنوك في اقتصاد ينزلق بسرعة إلى النيوليبرالية، لا تستثمر إلّا في المضاربات والأرباح العقارية، وفي حال ضخّت أموالاً لتسهيل حياة الشرائح الاجتماعية هناك، لا يكون ذلك مباشرةً أو في الاقتصاد الحقيقي، وإنما عبر قنوات مالية لا تلبث أن تتحوّل إلى فقاعات وتتلاشى كما حدث في الأزمة هنا. وما حصل، فعلياً، أنّ الفقاعة انتقلت بعد (إفلاس البنوك) وفقدان الناس لأصولها الحقيقية بعد رهنها (منازل، أراضي) إلى الاقتصاد الحقيقي، إذ تراجعت مع هذا الفقدان الكبير لأصول الطبقة الوسطى، من منازل وعقارات القيمة الفعلية لمداخيلها، وبالتالي تحوَّلَ الاعتماد على الوظائف وحدها إلى عائق أمام عملية التراكم، التي تحتاج إلى جانب قوّة العمل إلى أصول يمكن الاستفادة منها وتسييلها باستمرار. جعل هذا الأمر الفارق يزداد بين الإنتاج ــــ العرض هنا ــــ الذي لم يتأثر كثيراً بعملية فقدان الأصول والطلب، الذي انحسر كثيراً بسبب الافتقار إلى هذا التضافر بين إنتاج هذه الطبقة واستقرارها الذي توفِّره الأصول أو المدّخرات. في المقابل، استحوذت المصارف بفضل الرهونات العقارية على أصول كبيرة، ولكن ليس بما يكفي لتغطية خسائرها جرّاء عمليات الإقراض واسعة النطاق. تدخُّل الاحتياطي الفيدرالي هنا كان أساسياً، ليس فقط لإنقاذ المصارف المتعثِّرة وأسواق المال عن طريق شراء الديون، بل أيضاً لتحفيز الاقتصاد ككلّ عبر تخفيض نسب الفائدة لمعاودة إطلاق عجلة الإنتاج التي تباطأت بهذا الاختلال الكبير بين العرض والطلب.

عولمة الأزمة

اقتصرت الأزمة، في بداياتها، على تعثّر المصارف وأسواق المال وفقدان أجزاء واسعة من الطبقتين الوسطى والعاملة الأمريكيتين لأصولهما، لتتحوَّل لاحقاً إلى ركود نتيجة لانحسار طلب هذه الفئات، تحديداً، على السلع إثر تآكل مدّخراتها. لم يجعل ذلك منها على الفور أزمة عالمية، حتى لو كان التداخل حاصلاً بفعل تبعية أسواق المال في العالم لنظيرتها الأمريكية. ولكن تدخّل الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة لضخّ الأموال في البنوك المتعثّرة، عبر سلّة من الإجراءات تبدأ بشراء الديون ولا تنتهي بتخفيض نسب الفائدة، هو ما وحَّد الإجراءات المتبعة في باقي الاقتصادات الرأسمالية لتفادي انتقال الأزمة إليها. فشهدنا إقراراً متزامناً تقريباً لرزم التحفيز، بالتوازي مع توحيد أسعار الفائدة بعد خفضها لإنعاش هذه الاقتصادات، خوفاً من موجة الركود المقبلة، وبحيث يكون التضخُّم الناجم عن ضخّ الولايات المتحدة لهذه الأموال قابلاً للاحتواء عبر هذا التحريك الكبير للطلب والعجلة الاقتصادية عموماً. احتاج الأمر إلى (عولمة الأزمة)، من خلال توحيد أسعار الفائدة بين البنوك المركزية وضخّ رزم تحفيز متزامنة، حتى تتجاوز الرأسمالية المالية في الولايات المتحدة (محنتها) عبر تدفيع الجميع ثمن ما فعلته، لجهة التحفيز على أنماط استهلاك وإقراض غير مقترنة بأصول فعلية، وغير مدفوعة بحاجة فعلية أو بقيمة للعمل أو الإنتاج. على أنّ هذه الرُّزَم لم تكن بحجم التعويضات الحالية جرّاء أزمة كورونا، ومردّ ذلك إلى كون الأزمة رغم استفحالها غير ذات صلة بقطاع الإنتاج، إذ اقتصرت الأضرار في هذا القطاع قبل تمدُّد الأزمة، على تراجع الطلب كنتيجة لخسارة الشرائح التي تورّطت في عملية الاقتراض منازلها ومدّخراتها. لم تُضخّ أموال كبيرة في هذا القطاع، ليس فقط بسبب ذهاب معظم رُزَم التحفيز للبنوك وأسواق المال حيث منشأ الأزمة، بل أيضاً لأن وجهة التراكم لم تكن قد حُسِمت بعد داخل الولايات المتحدة لمصلحة الاقتصاد الإنتاجي.

زمن الإنتاج وقيمته

في هذا الاقتصاد، لا تُنتَج السلع ويجري تبادلها لخلق الثروة وتوزيعها فحسب، بل تكمن أيضاً القيمة المضافة الفعلية للعمل والإنتاج الذي يضفي شرعية على وجود الطبقة العاملة ونشاطها، وهو ما يُعرَف في الأدبيات الماركسية بالقيمة الاجتماعية للعمل، أي أنّ العمل يكتسب قيمته من خلال ما يستغرقه من وقت وما ينتجه من منفعة للمجتمع. يستحيل بهذا المعنى، أن يحدث للسلع المنتَجة في الزمن الاجتماعي ما حدث للمشتقّات المالية التي ينتجها الاقتصاد المالي، إذ ليس ثمّة إنتاج هنا بالمعنى الفعلي، ولا توجد طبقة عاملة أو حتى بيروقراطية (هذا إذا افترضنا أنّ العاملين في أسواق المال هم بيروقراطيون بالفعل) تقوم باستخراج المال من الأسهم المتداولة في البورصة، لمصلحة أيّ كان خارج هذه الأسواق. وفوق كلّ ذلك، الزمن الذي تستغرقه عملية التداول بعد الاكتتاب ليس زمناً اجتماعياً يضفي قيمة وشرعية على هذا النوع من العمل، بل بالعكس، هو (الوقت الميت) الذي تستغرقه عملية فصل المال الذي أُنتج في الاقتصاد الحقيقي، وضُخَّ بعدها في هذه الأسواق، عن قيمته الاجتماعية وعن الجهد الذي تطلّبته عملية الإنتاج. من منظور رأسمالي بحت، تخلق هذه المقاربة النظرية مشكلة مستمرّة لعملية التراكم، عبر الضرر الذي تلحقه ليس فقط بعملية الإنتاج الفعلية، بل أيضاً بتطوّر القوى المنتجة الذي يكبحه هذا الشكل الطفيلي من الإنتاج غير المرتبط بقيمة أو بزمن اجتماعي.

النمو الكبير الذي شهدته الوظائف والاقتصاد الحقيقي في عهد ترامب هو نتاج هذا الانزياح في عملية التراكم لمصلحة التصنيع والإنتاج الفعلي للسلع

والحال، أنّ حاجة الرأسمالية مدفوعةً بأزمتها المالية إلى هذا التطوُّر المحدَّد ماركسياً، تفوق حاجتها إلى منتجات التراكم المالي لأنّ توسّع عملية الإنتاج في ظلّ الأزمة هو الحلّ الوحيد لتجاوز الانقطاع الذي تسبّب به الاقتصاد المالي، حيث لا بديل عن الوظائف الحقيقية وإنتاج السلع في عملية خلق القيمة واستعادة الطلب، الذي أودت به المشتقّات المالية. وعليه، يصبح من الضروري لكي تتجاوز عملية التراكم أزمتها، إذا لم يكن التخلّص من هذه المشتقّات واقتصادها، فعلى الأقلّ جعل مساهمتهما محدودة، أو لِنَقُل متناسبة مع حجمها الذي لن يكون كبيراً في الطور الجديد للتراكم الرأسمالي. هكذا، وعلى ضوء الحاجة إلى اقتصاد سلعي ينافس الصين في رحلة صعودها هي الأخرى، برزت الحمائية داخلياً بوصفها ضرورة موضوعية أملاها الانتهاء فعلياً من خلق الثروة عبر التراكم المالي، لتصبح متاحةً معاودة العمل باقتصاد السلع الذي يقوم على التشغيل والتصنيع الكثيفَين، بغية ضخّ الثروة في الداخل وخلق الوظائف لمصلحة أكثرية الطبقة العاملة المتضرِّرة من الترسمل المالي.

اقتصاد الحرب التجارية

النموّ الكبير الذي شهدته الوظائف والاقتصاد الحقيقي، عموماً، في عهد دونالد ترامب هو نتاج هذا الانزياح في عملية التراكم، لمصلحة التصنيع والإنتاج الفعلي للسلع، وهو ما انعكس إيجاباً على دخل الفئات التي تضرّرت من أزمة عام 2008، بفقدان منازلها وأصولها وقدرتها الشرائية. فلسفة الحرب التجارية مع الصين، تقوم على هذا المعطى أساساً، كونها ترتكز إلى تنافسية شديدة بين أكبر اقتصادين ينتجان السلع حالياً، ويستحوذان بفضل هذا الإنتاج المزدوج على الحصّة الأكبر من التجارة العالمية. (الحرب) بينهما بهذا المعنى، تعيد تركيز الثروة لمصلحة من سيربح في النهاية في الاقتصاد الحقيقي، حيث تتموضع ليس فقط البنى التحتية التي يعاد ترميمها في البلدين لتسهيل حركة التجارة والتبادل السلعي، بل أيضاً القوى الاجتماعية والطبقية التي تقوم بعملية الإنتاج. هذه القوى التي تشكل قوامها الطبقة العاملة، سواء في الولايات المتحدة أو في الصين، بدأت تشهد قبل انتشار الوباء ونكوص هذا التوجُّه بمجمله، ارتفاعاً كبيراً في معدّلات الدخل، كنتيجة مباشرة لتمحور (الحرب) أو التنافس التجاري بين البلدين، حول الاقتصاد الحقيقي أو السلعي. وفرة الإنتاج في كلا الاقتصادين، خلقت طفرة اقتصادية أعقبت مباشرة الركود الذي أصاب الاقتصاد العالمي عقب أزمة عام 2008، حيث انزاح اتجاه الثروة مدفوعاً بوفرة الطلب على السلع من الاقتصاد المالي، إلى الاقتصاد الحقيقي. ومع هذا الانتقال اشتدّت حدّة المنافسة بين البلدين، ليس فقط على إنتاج السلع والاستحواذ على أكبر حصّة ممكنة من التجارة العالمية، بل أيضاً على طبيعة الإنتاج نفسه. إذ لم يَرُقْ للولايات المتحدة اعتماد الصين على آلية توطين التكنولوجيا العالية المُنتَجة خارجياً، لتكبير حصّتها في هذه السوق أسوةً بباقي السلع التي ينتجها اقتصادها. اتهامها أمريكياً بسرقة الأسرار التجارية لهذه الصناعة، يندرج في إطار التقليل من حجم استحواذها على سوق التكنولوجيا العالية في العالم، ويمكن اعتباره أيضاً التصعيد الأبرز في الحرب التجارية الجارية بينهما، كونه يتمحور حول السلعة الأكثر استراتيجية في العالم، والتي تعتبر مع صناعتَي الأسلحة والنفط محور عملية التراكم الرأسمالي حالياً. صحيح أنّ هذه (الحرب) بينهما ومعها الرسوم الجمركية المتبادلة، خلقت حالة من عدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي، لكنّها في المقابل أتاحت إعادة تركيز الثروة في الاقتصاد الحقيقي، ولو على شكل تنافس محموم، مدفوعةً ـــ أقلّه أمريكياً ـــ بهاجس تجاوز أزمة عام 2008 التي بدأت في القطاع المالي الأمريكي، قبل أن تتحوّل إلى أزمة عالمية، وتصيب قطاعات واسعة من الطبقة العاملة في العالم. هذه التنافسية الشديدة التي خلقتها الحرب التجارية، وسّعت قاعدة المستفيدين من الاندفاعة الكبيرة للإنتاج السلعي، حتى لدى أولئك الذين يعملون بأجر رخيص في مصانع أمريكية في الصين أو المكسيك. فاستعادت الطبقة العاملة، بذلك، ولو بتفاوت ملحوظ بين الشمال والجنوب وداخل كلٍّ منهما على حِدَة، جزءاً كبيراً من الدخل الذي خسرته في عام 2008، حين كان مفهوم الاقتراض أو العيش عبر المديونية مساوياً، إن لم يكن متفوقاً على الإنتاج بمعناه الاجتماعي.

خاتمة

هذا التراكم الكبير هو الذي ينهار، اليوم، تحت وطأة تقييد حركة الرساميل والسلع والأفراد، ومعه انكشاف هزال الرأسمالية الغربية وفي قلبها الولايات المتحدة، على كلّ الأصعدة ولا سيما صحّياً، حيث بدا أنّ ثمار التراكم الصناعي هنا لم تُجنَ، أو لم تصل إلى الطبقات العاملة الأمريكية التي كانت محرّك العودة إلى الاقتصاد السلعي. في المقابل، ورغم خسارتها هي الأخرى لجلّ ما أنجزته في التنافس التجاري مع الولايات المتحدة، تبدو الصين في موقع أفضل، لجهة استئناف ليس فقط حركة التجارة والتبادل، بل أيضاً الإنتاج بمعناه الأوسع الذي يشمل الحرص على إبقائه متناسباً مع نشاط الطبقة العاملة، بما في ذلك سلامتها وأمنها وصحّتها في أوقات الأزمات والتهديدات الوجودية.

(الأخبار)

العدد 912 - 20/5/2020