كورونا يعرّي النظام الرأسمالي المتوحش

المحامي إسماعيل الحجو:

قد لا يكون كورونا المستجد أتى بجديد من ناحية النظام الإمبريالي سياسياً واقتصاديا اجتماعياً وأخلاقياً وإنسانياً، لكنه كشف المستور وأوضح زيف الديمقراطيات الغربية المنقوصة ووحشية الرأسمالية.

لن أدخل في تفاصيل النظام العالمي الذي بدأ يتهاوى قبل كورونا، لأن ذلك يتطلب كثيراً من الأمثلة والتفاصيل لا يمكن تغطيتها في مقالة واحدة، وسأكتفي بالجانب الأخلاقي والإنساني، وسأضرب مثالين متقابلين: الصين الشيوعية، وأمريكا والغرب الرأسمالي، ولا أخفي على القارئ أنني أرمي المقارنة بين الأخلاق الشيوعية والأخلاق الرأسمالية الإمبريالية.

وكلا الجانبين هناك من يؤيدهما، ولهما أنصار حسب المصالح.

ما إن انتشر الوباء المسمى (كوفيد 19) في مدينة ووهان، التي تعداد سكانها يقارب نصف سكان سورية، حتى اجتمع الرئيس الصيني شي جين بينغ بحكومته، وحذّر من (تسارُع) انتشار فيروس جديد قاتل، وأن البلاد تواجه (وضعاً خطيراً) هكذا بكل صراحة ووضوح ومسؤولية وثقة وشجاعة.

واجه المسؤولون الصينيون هذا الوباء ولم يزرعوا الذعر والرعب في صفوف مواطنيهم وخلال أقل من أسبوعين أُنشئت مشافٍ إضافية بآلاف الأسرّة، وفي حالات الحجر الصحّي كان الطعام المجاني وشبه المجاني يصل إلى الملايين، وتُقدَّم الخدمات الطبية مجاناً، كل ذلك بتخطيط وذكاء وعزيمة ووحدة مجتمعية ووطنية، وبمهنية عالية.

هكذا تصرّفت الصين الشعبية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني.

 بالمقابل كنا نرى ونسمع من المسؤولين الأمريكيين والغربيين وإعلامهم شيئاً من التهكّم والتشفي والاتهام المبطن والعلني، وكثرت المؤتمرات الصحفية والدعايات الانتخابية وكأن الصين ستستسلم لهم غداً، استناداً إلى الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي صرفتها القيادة الصينية على شعبها، وبسبب تدني الإنتاج الاقتصادي الصيني أو توقفه في بعض الحالات.

وعندما بدأ انتشار الوباء خارج الصين، وخصوصاً في إيطاليا وإسبانيا وإيران وغيرها، لاحظنا أن الغرب الإمبريالي اللاأخلاقي واللاإنساني بدأ بالتكتم على عدد الإصابات وعدد الوفيات، واتُّهمت إيطاليا مثلاً بأنها تستخدم الأسلوب والطريقة الصينية في مواجهة الوباء، وتُركَتت وحيدة في الميدان، ثم انبرى رئيس الوزراء البريطاني ليعلن طريقة جديدة في بلاده لمحاربة الوباء أثبتت فشلها.

إلا أن الصين سارعت وأرسلت لإيطاليا وإيران وغيرها مساعدات وكوادر طبية وكمياتٍ من العلاجات المتوفرة، وكل أنواع المعرفة التي تمتلكها لإنقاذ هذه الشعوب.

وعندما بدأ الوباء يغزو ويجتاح الدول كافة الأوربية وأمريكا وكندا، وأُعلن أن أوربا هي البؤرة الأساسية لهذا الوباء، أعلن الرئيس الأمريكي إغلاق حدوده مع حليفته أوربا ودون إعلامها، ما عدا بريطانيا الخارجة من الاتحاد الأوربي حديثاً؟ وكان (يتحدث من فوق الأسطح) حول كورونا! ومع ازدياد الإعلان عن انتشار الوباء في أوربا وكندا وأمريكا، وازدياد الوفيات يوماً إثر يوم، ازدادت المؤتمرات الصحفية للرئيس الأمريكي وبعدد أقل من الصحفيين، وكذلك للرؤساء الغربيين، لمطالبة المواطنين في هذه البلدان بتخفيف شراء المواد الغذائية والطبية، ومعظم الصيدليات الشهيرة في أمريكا تعلن في واجهاتها: (لا يوجد كمامات، ولا معقّمات، ولا تسألونا عن دواء لكورونا)؟!

وفرغت شوارع أوربا من الناس، ومازال ترامب جلّ همّه واهتمامه الانتخابات الأمريكية القادمة، ونجاحه فيها وأنه يستطيع احتواء الوباء وإيجاد لقاح خلال أشهر قليلة؟!

متناسياً رد بعض الشركات الدوائية الألمانية عليه (ألمانيا ليست للبيع) عندما عرض المليارات لحصر الدواء المرتقب في حال اكتشافه بأمريكا؟!

فعلاً (إن لم تستحٍ فافعل ما شئت!) لأن الإمبريالية تهمّها الأموال وليس أرواح البشر، تهمّها الأنانية الإمبريالية (أنا أولاً) وفي هذه الحالة الخاسر هو الإنسانية (الإنسان أينما كان). عندما تخوفنا من فهم العولمة السلبية، هذا التخوف يترجَم الآن على أرض الواقع. انهيار الإمبريالية قادم لا محالة، وربما الحروب تقرع أبواب البشرية والإنسانية، كلما زاد إفلاس الشركات، وتكررت الأيام السوداء من جراء تهاوي البورصات (الاثنين الأسود – الخميس الأسود).

لأن السياسة هي انعكاس للاقتصاد وترجمة لميزان القوى على الأرض، وأثبت انتشار الوباء عجز النظام الطبي الغربي وعدم كفاية أجهزة التنفس، وأن مواجهته ليست بالمهاترات والاتهامات.

وبعد أن بدأت الصين تتعافى، طلبت، على لسان نائب وزير خارجيتها، توضيحاً ورداً من أن أمريكا هي التي أدخلت الفيروس إلى مدينة ووهان الصينية، وهذا اتهام بحرب بيولوجية تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على جمهورية الصين الشعبية، بعد حربها الاقتصادية التي فشلت، ومن يهتم ويتابع هذا الموضوع يميل إلى القناعة بأن أمريكا ونظامها الإمبريالي وراء الإعداد لحرب بيولوجية لا تستهدف الصين وحدها.

إن الاستغلال السياسي والاقتصادي لويلات الشعوب وآلامها هي سمة لا أخلاقية للنظام الرأسمالي المتوحش.

فمن يحارب حكومات إيران وكوبا وفنزويلا وسورية وغيرها، ويدّعي أنه مع شعوب هذه الدول وغيرها، عليه رفع العقوبات، التي فرضها من جانب واحد خلافاً لقوانين الشرعية الدولية، عن شعوب هذه الدول.

هل سرّع كورونا التوقعات بانهيار بيت العنكبوت؟ يذكّرنا هذا التساؤل بكتاب (تفكيك الإمبراطورية: آخر أمل لأمريكا) الصادر عام 2010 لمؤلفه الأمريكي شالميرز جونسون، وفيه يؤكد أن تفكيك الهيمنة الأمريكية على غرار الهيمنة البريطانية بسبب تزايد مقاومة الشعوب لهيمنتها بعد الحرب العالمية الثانية، سيؤكد (تجاهلنا لهذه العبرة سيجعل تراجعنا وسقوطنا يحدث بشكل متسارع سلفاً).

قبل كورونا النظام العالمي والقطبية الأحادية تتهاوى وما بعد كورونا هو تأكيد المؤكد.

الفيروس ينتشر والخطر يتزايد، والنظم الصحية والاقتصادية في موضع اختبار شديد القسوة، والركود العالمي شبه مؤكد، وتقديرات كلفة الفيروس للاقتصاد العالمي أكثر من ألف مليار دولار والقادم أسوأ. ونؤكد أنه ليس ثمة أخلاق خارج نطاق المتجمع الإنساني، وأي نظام أو حزب سياسي من دون أخلاق يتحول إلى عصابة.

 وفي الختام شكراً للشعب الصيني والقيادة الصينية، والشكر موصول للحزب الشيوعي الصيني.

18/3/2020

العدد 912 - 20/5/2020