مخطط الشرق الأوسط الجديد والحرب على سورية

يوسف فرحة / كندا:

 بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية المعتدية عام 2003 وسقوط بغداد المدوي، جاء دور دمشق التي تنتهج سياسة وطنية مستقلة، لبدء تنفيذ المخطط الجهنمي الذي أُعِدّ لتدميرها أو حرفها عن مسارها المعادي للسياسة الإمبريالية في المنطقة العربية.

في عام 2005 جاءنا وزير الخارجية الأمريكية كولن باول حاملاً معه رسالة إلى الرئيس بشار الأسد تقول إن جيشنا على حدودكم والمطلوب منكم:

1- سحب قواتكم من لبنان. 

2- قطع علاقتكم مع حزب الله.

3- وقف الدعم للمقاومة الفلسطينية.

4- قطع علاقتكم مع إيران

5- ضبط الحدود مع العراق ووقف تدفّق المقاتلين إلى هناك. وكان جواب الرئيس الأسد هو الرفض المطلق.

وفي عام 2006 أعلنت كوندوليزا رايز عن مشروع الشرق الأوسط الجديد وبدء سياسة الفوضى الخلاقة.

وعلى أبواب أحداث الربيع العربي بدأ أردوغان، الذي كلف من قبل الإدارة الأمريكية بقيادة العدوان على سورية، بدعم مادي مباشر بالمال والسلاح من قطر والسعودية، بدأ بناء مخيمات كبيرة على الحدود السورية التركية، كانت عبارة عن معسكرات تدريب مجهزة بكل الخدمات، لاستقبال الإرهابيين من كل أنحاء العالم. وحسب دراسة بريطانية فإن 41490 إرهابياً قدموا إلى سورية من 80 دولة مع بداية الحرب على سورية، وبعد فتح الحدود السورية التركية وصل العدد إلى ما يزيد على مئة ألف إرهابي دخلوا إلى سورية.

 (الربيع العربي) ربيع غريب هذا الذي عصف بالعرب، يقول الكاتب ميشيل رامبو في كتابه (عاصفة على الشرق الأوسط الكبير)، ثم يتابع: (من غير المجدي وضع غلالة على العينين، فاضطرابات اليوم، سواء كان العرب أنفسهم من بدأها أم غيرهم، ليست سوى فصل من فصول المشروع الذي خطّطت ونظّرت له الإمبراطورية الأمريكية منذ زمن بعيد، مصطلح (زعزعة الاستقرار) أضعف وأكثر إبهاماً من أن يعبر كما يجب عن المخطط الاستراتيجي بعيد المدى الذي نحن بصدده، ألا وهو التوصل بكل الوسائل إلى تفكيك شامل لهذا العالم الذي هو أوسع من أن تبتلعه العولمة).

هذه هي سمات السياسة الإمبريالية الأمريكية، العدوانية تاريخياً ضد الشعوب، ومخطط الشرق الأوسط الجديد ليس إلا مرحلة جديدة من التدمير الممنهج للبلاد العربية، وأهمها دول الطوق مصر وسورية والعراق واليمن وليبيا، من أجل الحفاظ على إسرائيل الكيان الأقوى في منطقة الشرق الأوسط، ومن أجل إنهاء القضية الفلسطينية وحق الشعب العربي الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أرضه المغتصبة من الكيان الصهيوني.

ما حرّضني على الكتابة ما جاء في المقال الهام للأستاذ محمد سعيد عبد اللطيف بعنوان (جغرافية الصراع_ والحروب المستعصية في الشرق الأوسط)، ومما جاء فيه: (ليس في التاريخ المعاصر أشنع من الحرب الأهلية في سورية)! ولم يتطرق المقال لا من قريب ولا من بعيد للقضية الأساس، قضيتنا وبوصلة النضال الوطني: القضية الفلسطينية.

وأود هنا توضيح أن ما يجري في سورية منذ أكثر من تسع سنوات ليس حرباً أهلية، بل هو عدوان إرهابي موصوف شنّه الإرهاب العالمي بقيادة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية على الشعب العربي السوري بكل أطيافه ومكوناته، وليس كما تفضلت بأن أمريكا تحاول المشاركة في حلول أكثر عقلانية مما تسعى له روسيا في مستقبل الدولة السورية، حسب أوباما أو غيره من الرؤساء الأمريكيين الذين ارتكبوا أفظع الجرائم بحق شعوب الأرض قاطبة. إن الإمبريالية الأمريكية هي راعية الإرهاب العالمي، وهي التي دخلت الأراضي السورية كقوة احتلال معتدية، وهي من أنشأت أكثر من ثماني قواعد عسكرية عدوانية وغير شرعية على الأرض السورية، وما زالت تتقاسم سرقة النفط والحبوب من خيرات الأرض السورية مع أردوغان العثماني المجرم.

أما عن الدور الروسي فنعم، هو داعم للشعب السوري وللدولة السورية التي أراد الغرب كله تحطيمها، وهو الضامن الحقيقي للقانون الدولي بعكس الدور الأوربي والأمريكي.

أما عن ادعائك بأن النظام يقتل شعبه، فإنه باطل وأثبتت الوقائع دحض هذه الادعاءات، وأن الفيديوهات التي نشرها الإرهابيون حول استخدام الأسلحة الكيماوية مفبركة من قبلهم، ولقد فضحها الإعلام غير المضلل عبر الكثير من وسائل التواصل الاجتماعي. وأحب أن أطمئن الأستاذ محمد أن سورية بدأت تتعافى بعد الانتصارات التي حققها الجيش العربي السوري على الإرهاب، وتمكّنه من تحرير آلاف الكيلو مترات من العصابات الإرهابية المسلحة (جبهة النصرة والجيش التركستاني وحراس الدين وأنصار التوحيد الوجه الآخر لداعش)، وغيرهم من الجيوش المدعومة من  حلف الناتو عن طريق أدواتهم في المنطقة أردوغان وقطر والسعودية وغيرها من الأنظمة العربية العميلة، والدليل على ذلك عودة الآلاف من العائلات السورية المهجرة إلى بيوتها في المدن والقرى التي تحررت من الإرهاب، والعودة إلى حياتهم الطبيعية، وها هي عجلة الإنتاج تبدأ بالدوران من خلال بدء عودة مئات المصانع والمشاريع الاقتصادية للعمل والإنتاج، وبدء عملية إعادة الإعمار في معظم المناطق والمدن السورية، وإعادة وترميم البنى التحتية رغم الحصار الاقتصادي المفروض علينا وعلى شعبنا الصامد، ورغم الخسائر الاقتصادية التي تعرضت لها سورية،  والتي تقدر حتى نهاية عام 2015 بما يقارب 255 مليار دولار أمريكي، واضطرار نحو 45% من السكان إلى مغادرة منازلهم داخلياً وإلى خارج البلاد، وقد بلغ عدد النازحين أكثر من 3 ملايين، منهم أكثر من مليون هاجروا إلى مختلف أصقاع الأرض. وبدأت الدولة بإعادة إعمار المدارس وعاد الطلاب إلى الدراسة، وأكثر من خمسة آلاف مدرسة استقبلت تلاميذها.

 إن أي متتبع للسياسة العالمية اليوم يدرك أنه مازالت في مركز اهتمام الإمبريالية العالمية قضية تقسيم المنطقة العربية وتفتيتها، للإبقاء على دور أقوى لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، وتنفيذ المخططات الرامية إلى طمس القضية الفلسطينية ومنع إقامة الدولة الوطنية المستقلة وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم حسب قرارات الشرعية الدولية.

إن القضية لا تتعلق بهذا الحاكم أو ذاك ولا بالديمقراطية، وإنما بالمخططات الغربية  للمنطقة العربية، تتقدمها الشهوة للنفط والاستيلاء على مناطق الإنتاج الغنية كاملة، يساعدها في ذلك أنظمة عربية معظمها مرتهن للغرب الإمبريالي أو مطبّع مع الكيان الصهيوني، وليس هناك من خيار أمام شعوبنا العربية إلا المقاومة حتى الوصول إلى حقوقنا المشروعة.

العدد 912 - 20/5/2020