العالم بحاجة إلى نظام اقتصادي عالمي جديد

يونس صالح:

 تمر هذه السنة ال 76 على إنشاء مؤسسات بريتون وودز التي أرست دعائم وآليات الاقتصاد العالمي في أعتاب الحرب العالمية الثانية، وتتمثل هذه المؤسسات في صندوق النقد الدولي الذي رسم معالم نظام النقد الدولي، ومجموعة البنك الدولي التي سعت إلى تشجيع حركة الاستثمارات الدولية والاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة المعروفة تحت مصطلح (الغات).

ومهما يكن من أمر، فقد وضعت بريتون وودز بمكوناتها الثلاثة قيد التطبيق في عالم ما بعد الحرب، وكان لها دور كبير في المساهمة في حالة النمو اللامع الذي شهده الاقتصاد العالمي خلال الفترة من 1945 إلى 1971. فقد كانت آلياتها تمثل إطاراً سهّل طريقة عمل النظام الرأسمالي على صعيده العالمي. فاستقرار أسعار الصرف وتوفير السيولة الدولية، ووضع ضوابط لها، ساعد على ازدهار العلاقات الاقتصادية الدولية بين مختلف الأطراف، ذلك أن استقرار هذه الأسعار وكفاية هذه السيولة يخلقان اطمئناناً لدى المتعاملين في السوق الدولية لعقد صفقات طويلة الأجل للاستيراد والتصدير والدخول في علاقات دائنية ومديونية دون الخوف من حدوث تقلبات مفاجئة في قيمة العملات المتفق على استخدامها أو في كيفية الحصول عليها. كما أن صندوق النقد الدولي لعب دوراً أساسياً في ضبط أحوال السيولة الدولية وتسوية علاقات العجز أو الفائض بين الدول حتى عام ،1973 ولعبت مجموعة البنك الدولي دوراً أساسياً في عمليات إعادة تعمير أوربا بعد الحرب، وتشجيع حركة الاستثمار الدولية الخاصة، وإعطاء القروض الميسرة لبعض الدول النامية التي كانت تحظى برضائه، وساهمت جولات المفاوضات متعددة الأطراف التي تمت في إطار الغات في خفض الكثير من التعريفات الجمركية وإزالة الحواجز أمام حركة التجارة الدولية، وهو أمر كان ضرورياً لإنعاش الاقتصاد العالمي.

في ضوء ذلك يحلو لكثير من الاقتصاديين القول بأن جزءاً من الازدهار اللامع الذي شهده الاقتصاد العالمي في عالم ما بعد الحرب كان يعود إلى آليات بريتون وودز، وهو قوله لا يخلو من صواب.

على أن تقييم تجربة بريتون وودز بعد مضي 76 عاماً عليها، يشير بكل وضوح إلى أن تلك الآليات قد صيغت أساساً لخدمة مصالح الدول الرأسمالية الصناعية، ومن هنا كانت إفادة هذه الدول منها وعلى الأخص خلال الفترة من 1945 حتى ،1971 إفادة عظمى.

أما مجموعة الدول النامية فإن إفادتها من مؤسسات بريتون وودز كانت تافهة للغاية، لعدة أسباب، أولها أن إمكان التمتع بالموارد التي وفرها صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي للدول الأعضاء كان محكوماً في النهاية بحجم حصة الدولة العضو في رأسمال هذه المؤسسات، ونظراً لفقر الدول النامية، فإن حجم حصصها في هذه المؤسسات كان ضئيلاً، ومن ثم كانت إفادتها من الموارد الميسرة محدودة للغاية.

أضف إلى ذلك أنه في ضوء الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية التي قامت عليها هذه المؤسسات، فإن البلدان النامية التي اتخذت خطاً وطنياً مستقلاً لبناء تنميتها لم تكن تحظى برضاء هذه المؤسسات، وكان هناك خلط بين الاعتبارات السياسية والاعتبارات الاقتصادية في عمل هذه المؤسسات، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. ولهذا فإن الدول التي حظيت بأكبر قدر من المساعدات والقروض الميسرة من تلك المؤسسات لم تكن هي بالضرورة الأكثر حاجة إلى هذه الموارد.

أما عن اتفاقية الغات، فهي لم تميز بين أوضاع البلاد الصناعية المتقدمة وأوضاع البلاد النامية حين سعت إلى خفض التعريفات الجمركية وغيرها من القيود التي تحد من حرية التجارة، كما أن مبدأ الدولة الأولى بالرعلية الذي نصت عليه الاتفاقية انطوى على خطأ فادح، وهو النظر إلى المعاملات التجارية بين هاتين المجموعتين من الدول على أنها معاملات الند للند، وهذا أمر يكن صحيحاً، كما أغفلت الاتفاقية تماماً مشكلات الاختلال في موازين مدفوعات البلدان النامية، وبالذات في المراحل الأولى من التنمية، كما لم تراعِ هذه الاتفاقية متطلبات عملية التنمية، وحاجة البلدان النامية لحماية صناعاتها الناشئة، وضرورة تشجيعها على النمو بتوفير الأسواق الواسعة أمامها وحمايتها من الواردات المنافسة. وعموماً فقد أثبتت التجربة أن مدى النفع الذي عاد على الدول الصناعية الرأسمالية من حركة التخفيضات التي قررتها الغات كان يغدق أضافاً مضاعفة مقدار النفع الذي حققته الدول النامية.

والآن..

وبعد أن تغير العالم كثيراً عن عالم بريتون وودز، يتساءل الكثيرون وبحق، عن مدى ملاءمة آليات بريتون وودز والليبرالية الاقتصادية الجديدة في الوقت الراهن.

فمن المعروف أن هناك تغيرات هائلة في منظومة الاقتصاد العالمي، بحيث جعلت تلك الآليات تضيق عن تحملها، لنأخذ مثالاً عن ذلك الاضطراب الشديد الذي حدت في نظام النقد الدولي، وهو الاضطراب الذي بدأ منذ وقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب عام ،1971 وتعويم أسعار الصرف، والتخمة الشديدة غير المنضبطة التي حدثت في السيولة العالمية، وتحويل أسواق النقد الدولية إلى ما يشبه نوادي القمار والمضاربة على العملات. لنأخذ الحروب النقدية والتجارية التي اشتعلت بين الدول الرأسمالية الصناعية، ومشكلة البطالة المتزايدة التي تعانيها هذه الدول، والتي تستعصى الآن عن الحل، بعد أن باتت مشكلة هيكلية وليست دورية.

لنأخذ التكتلات الاقتصادية التي تتحول إلى ما يشبه القلاع التجارية المنغلقة، وأزمة المديونية الخارجية الضخمة التي تئن فيها مجموعة البلاد النامية، والحلول القاسية وغير الإنسانية التي يفرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على هذه البلاد، والتي عطلت التنمية، ورهنت مواردها لدفع هذه الديون، والتقلبات الشديدة التي تحدث في أسعار المواد الأولية التي تصدرها البلاد النامية، وهي المصدر الرئيس للعملات الأجنبية فيها.

إن كل هذه الأمور وربما غيرها تشير إلى أننا نعيش في عالم مأزوم، وأن آليات بريتون القديمة وما حدث بها من ترقيعات لم تعد تجدي في مواجهة هذا العالم، ولا شك أن حالات الفوضى والركود والبطالة والحروب النقدية والتجارية السائدة الآن في الاقتصاد العالمي تنطوي على تكلفة وأخطار محدقة بكل شعوب العالم، وأن تلك المشكلات توثر على جميع الدول والأطراف، وإن كان بطرق متباينة.

من الأكيد أنه توجد الآن مصلحة مشتركة لجميع دول العالم لخلق نظام اقتصادي عالمي جديد، تتوافر فيه آليات جديدة أكثر ملاءمة وعدلاً، وتعكس مصالح واحتياجات الشعوب للتنمية والتقدم والعدالة. إن الحاجة لذلك باتت ملحة، وعلى الدول بأسرها، على اختلاف بناها، أن تجد الطريقة اللازمة لتحقيق ذلك.

العدد 906 - 08/4/2020