طلّي بالأبيض!

  ماري مرشد:

(طلّي بالأبيض طلّي يا زهرة نيسان!) تمتمات أغنية استفاقت عليها سُليمى، فكلمات تلك الأغنية التي كانت مُتعلّقة بها سُليمى كثيراً وترسم عليها أحلامها، هي الآن بعد أن بلغت عامها الخامس والأربعين قد استحال عليها تحقيق هذه الأمنية وفقدت معها الأمل. فبعد هذا العمر من الصعب أن تجد شريك حياتها، هي التي كرّست جُلّ وقتها للعلم والعمل، ولم يكن مجدياً أن تقف كثيراً وتنتظر فارس أحلامها، ولربما شعرت مرّة بدقات قلبها لشاب وسيم لم يكتب لهما القدر أن تتوّج علاقتهما بالزواج والاستمرار، وجاء إدراكها لاحقاً بمدى حبها له، وبعد ذلك مرّ الجميع من أمامها أشباهاً لا معنى لها، إلى أن وجدت نفسها وقد تخطّى بها العمر مراحل عديدة دون شريك يؤنس روحها. كثيراً ما تعرّضت للّوم من المحيط والأصدقاء، وأنها السبب في بقائها دون زواج، فكانت تأخذ الموضوع معهم على أنه مجرّد مزاح، وتسايرهم دون أن يعلموا بما تفكر هي، أو ماذا ينقصها حقاً!

لم يكن أحد يدري حجم الوحدة التي تتملّكها، أو ساعات تفكيرها الطويل وماذا سيحدث لها، أتستمر حياتها هكذا دون وجود شريك؟!

وهل يعلم أحد فعلاً حاجاتها أو حقّها في الأمومة؟ أين ستعثر عليه؟

رغم حبها الكبير للأطفال وأولاد أخواتها الصغار، إلاّ أنها كانت بحاجة حقاً للشعور بالأمومة الحقيقية لطفلٍ لها، تحتضنه وترعاه وتعطيه كل الحب المخبأ داخلها، كانت سعيدة في عائلتها ولكن هذا ليس كل شيء.

في أروقة الحياة لابدّ للأشياء أن تكتمل لتبقى وتستمر، وكما هي العادة في المجتمع فإن الزواج هو سنّة الحياة الطبيعية، ولكن اختلاف ظروف الحياة وصعوبة تأمين التكاليف والنفقات أدّت جميعها لعزوف الكثير من الشباب عن الزواج والاتجاه للسفر وللعمل خارج البلاد، لتأمين حياتهم بما يتوافق مع البيئة الاجتماعية الموجودة.

أيضاً هناك أمور معنوية تواجه الشباب، ومنها التخبّط في الاختيار للدخول إلى قفص الزوجية تحت إلحاح المجتمع والأهل على الزواج وتكوين أسرة.

عدم رغبة الشباب في تحمّل المسؤولية وخسارة استقلاليتهم الشخصية، في ظلّ الضغوط التي تتأتّى عليهم من خلال الزواج.

الخوف من الروتين والملل بعد الزواج، وتغيّر شخصية الشريكين أو ظهورها على حقيقتها، ففترة الخطوبة ليست مقياساً حقيقياً لتحديد شخصية الشريكين، وما إن كانت مناسبة للارتباط أم لا.

الخوف من فكرة الزواج من أجل الزواج فقط، دون وجود أي أسباب أو عوامل تُشجّع على ذلك من قبل الشباب. كما أن عمل المرأة واعتمادها على نفسها واستقلاليتها في حياتها وشخصيتها جعلها تفكّر كثيراً قبل الإقدام على الزواج الذي قد يتسبّب بخسارة وظيفتها، أو تقييد حريتها وطموحاتها.

وقد تكثر القصص التي يتمُّ تناقلها على ألسن الشباب من تجاربهم الحياتية والشخصية عن الزواج، وكثرة حالات الطلاق التي تجعل منها نموذجاً يُشكّل لدى الشباب المُقبل على الحياة رهبة كبيرة وخوفاً من اتخاذ منحى الحياة الجديد، ممّا يعطي إسقاطات على الواقع قد تكون في أغلب الأحيان خاطئة، وأيضاً يعود بعضها لقلة الثقافة المجتمعية وأمور الحياة المختلفة التي يحفل بها المجتمع.

العدد 906 - 08/4/2020