فضاءات ضيقة | عندما تنهاوى النجوم

د. عاطف البطرس:

 منيَ الوسط الثقافي والفني في سورية بخسائر جسيمة من الصعب أن تعوض، وذلك برحيل أعلام في الفن والثقافة كالشاعر والناقد السينمائي (بندر عبد الحميد) الذي كان بيته مفتوحاً لكل المعارف والأصدقاء الذين يأمونه لتبادل الرأي وانعاش الذاكرة بأسئلة الثقافة والفن.

من الصعب أن نتحدث عن الحالة الثقافية في دمشق في سبعينيات القرن الماضي دون أن نذكر الشاعر والناقد السينمائي بندر عبد الحميد رئيس تحرير مجلة (الحياة السينمائية).

 والخسارة الثانية كانت برحيل المخرج وكاتب السيناريو والمترجم  (ريمون بطرس) الذي عرفتُه عن قرب إنساناً دمثاً   طيب المعشر، مرحاً رغم قسوة الحياة التي عاناها وهو خريج المعهد السينما في كييف، العائد إلى سورية باحثاً عن عمل ليجد نفسه يعمل في نحت الحجر بعد أن أغلقت بوجهه سبل الاستفادة من دراسته كمخرج سينمائي.

عندما كان ريمون بطرس يعزف على عوده في  فعل مقاومة لمواجهات تحديات الزمن كان يرقص الحجر.

من الصعب أن ننسى دور المخرج السينمائي وما خلقه من إنجازات في السينما السورية، عدة أفلام روائية (الطحالب، حسيبة، وغيرها…) مجموعة من الأفلام القصيرة والوثائقية.

كانت لجهود الراحل في جريدة النّور بعد إعادة إصدارها دور فعّال في وصل ما انقطع من تأثير الجريدة، التي كان الراحل مدير تحرير فيها.

ويذكر الزملاء حيويته ونشاطه وإخلاصه في العمل  ومحبته لجميع العاملين فيها.

أما الخسارة الثالثة فكانت رحيل الناقد الأدبي والروائي (محمد رضوان) الذي عرفته في  جمعية النقد الأدبي ومن خلال أعماله الروائية ( البراري، أعمدة الدخان…) ومما يميز محمد كروائي لغته الشعرية وقدرته على خلق  قصص الحب واكتشاف إمكانيات أبطاله ومقدرتهم على مقاومة قسوة الحياة.

قد نختلف مع كاتب أو شاعر حول رأي أو موقف ولكن ذلك الاختلاف، لا يحول دون أن تعطي أصحاب الرأي المخالف حقهم متجاهلاً ما قدموه من إبداع تطلب منهم تحصيلاً معرفياً عميقاً وجهوداً كبيرة في أعتصار المعارف وتقديمها فناً في السرد أو الشعر أو في الإخراج السينمائي.

لجميع الراحلين الثلاثة  على تباين إبداعهم والأجناس الأدبية و الفنية التي أتحفونا بإبداعها ، القدرة على تقصي التفاصيل وكشف أعم قوانين الواقع في جملة علاقاته الإشكالية، وكيفية التعبير الفني عنها .

الصدق الإخلاص في العمل والمثابرة على التحصيل والموهية التي لم يبخلوا عليها بالجهد والمعاناة، معاناة الواقع المعيش ومكابدة معادلة خلقة فنياً العملية الأكثر صعوبة والتي تقارب الاحتراق بكل ما فيه من ألم وعذاب.

سيبقى بندر عبد الحميد علماً قي الثقافة والشعر والنقد السينمائي، كما سنتذكر طويلاً الفقيد ريمون بطرس مخرجاً سينمائياً ومترجماً وكاتب سيناريو وعازف عود يقاوم بالفن ما بخلت عليه فيه الحياة

ومن عدم الوفاء  أن ننسى زميلنا محمد رضوان وأعماله الروائية، التي جسدت سلوكه وأخلاقه وصدقه مع الواقع والفن.

الوطن بأمس الحاجة إليكم سلوكاً وإبداعاً (وفي الليلة الظلماء يفقتد البدر).

العدد 917 - 1/07/2020