(تكامل) القهر وتناقص الكرامة!

ريم الحسين :

وأخيراً دخل الذكاء الاصطناعي إلى أرض الوطن على شكل بطاقة ذكية تثبت في كل يوم غباءها وفسادها.

كورونا على الأبواب والبطاقة الذكية تقوم بدوره جيداً حتى الآن، فإذا سألت أي مواطن سوري سيقول لك إنه بعد هذه المكرمة العظيمة وأتمتة المحروقات وبعض السلع الأساسية وعناء الطوابير، لم يعد مهماً استقبال كوارث أخرى، فالكوارث ملازمة لنا منذ الأزل وفاقت الحد في سنوات الحرب.

الغريب أن الحلول التي تتحفنا بها الحكومة تأخذ دائماً المنحى العكسي منها، فتزيد السوء سوءاً والبيئة هنا خصبة لانتشار الفيروسات، فالطوابير وحدها صديقة لكل هذا الخراب، لا أرى إلا أقلاماً تعبت من الشكوى، فهل سيكون الفيروس_ لا سمح الله_ أشد وطأة من معيشة المواطن السوري الذي أصبح يعيش السوداوية بكوميديا ملحوظة من كثرة الضغوط على كاهله، ربما حتى لا يصل إلى مرحلة الانفجار. فحتى الجراد أبى أن يزورنا لأن كبار البلد حصدوا الأخضر واليابس ولم يبقَ له شيء ليشارك به هذا الشعب الملعون! وهنا يكمن دور هذه العطايا الكبيرة في التخلص من الآفات الطبيعية.

على مدار الأربع والعشرين ساعة يتعلق المواطنون بهواتفهم لعل وعسى أن تكون رسالة من شركة (تكامل) تبشرهم بقدوم العروس: (جرة الغاز)، والغالبية تُمنى بالخيبة إذا تحركت هواتفهم وكان أحب الناس على قلوبهم! فجرة الغاز أصبحت أهم بكثير والحصول عليها أضحى معجزة ربانية!

والمثير للغثيان والاستغراب أن المعلومات في التطبيق (وين) التابع للشركة تعطي في كل يوم دوراً للغاز يزيد عن اليوم السابق بعدد ليس بالقليل، وعندما تقوم بالشكوى تزيل عن كاهلها هذا الحمل وتحولك للمعتمد الذي يقول: أريد الرسالة! وهكذا دائرة فارغة دون جدوى! أو يطلبون منك الشكوى لشركة المحروقات على رقم رباعي مشغول ليل نهار!

ليترحم المواطن على ٢٣ يوماً التي كان يستطيع تبديل فيها الجرة ولو لم تتوفر أو عاش ليله ونهاره على الطوابير، على الأقل يعلم في النهاية أنه سيحصل عليها ولو بعد معركة! أما الآن فالعروس الأمنية ثقيلة الظل قد لا تأتي لعدة أشهر!

هذا كلّه إضافة إلى الدفعة الثانية من المازوت التي لم يحصل عليها إلا عدد محدود وربما مع (دفشة) وقد قارب فصل الشتاء على النهاية، وربما هذه رحمة لتأتي بعدها لعنات الصيف.

انتقلنا من مرحلة انتظار جرة الغاز إلى جرة غاز تنتظر رسالة (تكامل) الذكية، ومع العلم تتوفر هذه المواد جميعها بالسوق السوداء بأسعار مضاعفة، وهذا ما يطرح السؤال عن جدوى هذه البطاقة: هل هي لزيادة عمل السوق السوداء بزخم أكبر! رغم أن مرتاديها هم من الذين في الأساس لم يزوروا الطوابير يوماً! وهذا ما يذكرني بحديث أحدهم الكوميدي (دخيل رب الفساد بالبلد للي معه مصاري! تخيّلي وقف عالطوابير ساعات مشان ورقة ولا مشان خبز أو جرة غاز)!

واليوم زيادة في أسعار البنزين (المدعوم) سيدفعها أيضاً المواطن من جيبه الفارغة من الأساس على شكل ارتفاع في الأسعار المرتفعة أصلاً بشكل جنوني!

شبابنا على الجبهات يقدمون الدماء لشرف الوطن، وأهاليهم يتعرضون للذل على الطوابير وينتظرون الذكاء الحكومي ليعينهم على ما تبقى من سنوات الخراب والقهر.

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

العدد 906 - 08/4/2020