من ذكاء (البطاقة الذكية)

د. أحمد ديركي:

لا أعلم الأسباب الكامنة خلف هوسنا الراهن بمصطلح (ذكاء) على الرغم من عدم وجود تعريف واحد يحيط بكل جوانب هذا المصطلح، لنطلقة على (كل شاردة وواردة) من دون أي تعريف مسبق.

قد يكون ما وصلت إليه تكنولوجيا اليوم من تطور، وتحديداً ما يتعلق بـ(الذكاء الاصطناعي) أحد الأسباب الكامنة خلف هوسنا به.

بلادنا ومجتمعاتنا ليس لها أيّ علاقة في عملية إنتاج (الذكاء الاصطناعي) أو تطويره، وجلّ ما في الأمر هو أننا مستهلكون له. إلا أن الدول والمجتمعات المنتجة له قد دخلت في معركة عنيفة معه تتعلق بجوهرها بسؤال فلسفي عميق حول دور الإنسان في عصر (الذكاء الاصطناعي).

 ويبدو أننا كمستهلكون له استحضرنا المعركة، وتوهمنا أننا مشاركون بها، فاستحضرنا جزء لا جوهري منها لنخوض جزء من المعركة المتوهمة على شاكلة رواية (طواحين الهواء).

تمثل العلاقات المتشكلة ما بين المجتمع المنتج (للذكاء الاصطناعي) و(الذكاء الاصطناعي) أحد جوانب هذه المعركة، كما تمثل التغيرات في العلاقات المجتمعية، في المجتمعات المنتجة له، بسبب فرضه نوع من التغيرات في العلاقات المجتمعية للتلائم مع وجوده بها، وإنتاج المجتمع لها.

من هذه الأمر مسألة العائلة. مثلت العائلة، في ما سبق، الخلية الأساسية الأولى للمجتمع، فنشأ الاهتمام بتشكلاتها لكونها تمثل ركن أساسي في عملية بناء (مجتمع سليم).

وكانت العائلة، في ما سبق أيضاً، تعني (زواج) جنسين مختلفين ينجم عنه ذرية، لن نغوص هنا في تفاصيل أعمق حول مفهوم (العائلة).

لكن أول ما يتبادر إلى أذهاننا، في مجتمعاتنا، عند ذكر كلمة (عائلة) يكون تلك العلاقة ما بين جنسين مختلفين تحت مظلة فكر قدسي.

بينما لم تعد (العائلة) كما نتصوره ونفرض صورتنا النمطية عليها، بل لحق بمفهوم (العائلة) العديد من التغيرات، تغيرات تتعلق في جزء منها بإنتاج (الذكاء الاصطناعي).

 بينما التغيرات التي طالت مجتمعاتنا بالنسبة لمفهوم (العائلة) لا علاقة لها بـ(الذكاء الاصطناعي)، ناجمة عن ظروف أخرى مغايرة بشكل جذري.

من العوامل التي دخلت على مفهوم (العائلة) لتحدث فيه جزء يسير من التغيرات العامل الاقتصادي. عامل تبدو انعكساته جلية في المجتمع، ومن مظاهر انعكساته تأخر سن الزواج عند الجنسين، إرتفاع نسب العنوسة عند الجنسين، إنخفاض في مستويات الإنجاب، الانتقال من (العائلة الممتدة) إلى (العائلة النواتية) و…

بالإضافة إلى العامل الاقتصادية، دخل عامل طارىء آخر برز على الساحة ألا وهو عامل النزاعات المسلحة. ومن انعكاسات هذا العامل الطارىء، بالإضافة إلى انعكسات العامل الاقتصادي، تفكك العائلة، ارتفاع في مستويات الإعاقات الجسدية والنفسية، إنخفاض كبير في نسب الذكور مقارنة بنسب الإناث و…

من هنا، طبعاً بالإضافة إلى عوامل أخرى متعددة، تعاني هذه البلاد، والتي تمر بهكذا أزمات، من اختلال غير بسيط في تشكلاتها العائلية وبمفهوم (العائلة) بعامة.

لذا يمكن القول أن (البطاقة الذكية) تندرج ضمن هذا الإطار العام في البلد، ومن ضمنه (العائلة). قد تعود الأسباب الكامنة وراء تسميتها بـ(البطاقة الذكية) نابعة من الهوس بمصطلح (ذكاء). ولكنها لم تأخذ بعين الإعتبار كل هذه المتغيرات التي طرأت على مفهوم (العائلة). فعلى سبيل المثال لا الحصر لا يحق للأعزب أو العزباء، مهما بلغوا من العمر، الحصول على (بطاقة ذكية). ومن ضمن ما يعنيه هذا، بعيداً عن لؤم إجابة الموظفين على سؤال (هل يحق للأعزب الحصول على بطاقة ذكية؟) أن هكذا قرار يحرم الأعزب أو العزباء من خدماتها. وكأن نسب 0العنوسة) في البلد، في ظل الظروف الراهنة، تساوي صفر! وإن لم تكن النسبة تساوي صفراً على كل أعزب وعزباء يرتبطوا بعلاقة (زواج) تحت مظلة الفكر القدسي كي يحق لهم (التمتع) بنعم (البطاقة الذكية) وإلا طالهم (قصاصها).

كون (البطاقة الذكية) تُقحم نفسها ضمن مفهوم (الذكاء الاصطناعي) بالقوة، والإقحام ناجم عن تسميتها بهذا الاسم، من هنا يمكن مقاربة أوجه الشبه بين معركتها في مجتمعاتنا مع أوجه شبه معركة (دون كيشوت) مع طواحين الهواء.

العدد 993 - 19/01/2022