فترةٌ قصيرةٌ ترسم ملامح حياةٍ كاملة

إيناس ونوس:

لحظاتٌ قليلةٌ تعيشها المرأة أثناء ولادتها تساوي عمراً كاملاً، لحظاتٌ قليلةٌ تجسِّد جدلية الموت والحياة، لحظاتٌ انتظرها أفراد العائلة جميعهم، بما فيهم الأم، الأكثر ترقُّباً، لكونها عايشت فترة الحمل ونمو جنينها في أحشائها لحظةً بلحظة، راسمةً أحلاماً وصوراً في خيالها عن المولود الجديد المُقبل على الحياة.

يأتي المولود المنتظر بلهفةٍ، فيملأ الدُّنيا ويشغل الجميع، وما هي إلاّ بضعة أيام تمضي حتى تبقى الأم بمفردها معه، فتكتسب بوجوده أموراً جديدةً عليها، لاسيما إن كانت أمّاً للمرة الأولى. أمورٌ كثيرةٌ ستعيشها لأول مرة، منها ما يتعلّق بكيفية التَّعامل مع هذا الملاك البريء، ومنها ما يتعلّق بعلاقتها بأفراد أسرتها وتحديداً زوجها، ومنها ما يرتبط ارتباطاً عميقاً بحياتها الخاصة التي لم تعد ملكاً لها، ولم يعد بإمكانها أن تستمتع بها أو تعيش تفاصيلها كما كانت سابقاً، فقد أصبحت أمّاً مسؤولةً عن طفلها الذي هو بأمسِّ الحاجة لها، فالقهوة الصَّباحية لم تعد أول ما تقوم به، وهندامها الذي كان يأخذ منها وقتاً بات يقتصر على الضَّروريات، تفاصيل حياتها كاملةً تبدَّلت، فالوقت الذي كانت تقضيه مع أصدقائها وصديقاتها لم يعد لهم، عملها صار بحكم الضَّرورة الملزِمة وليس بهدف إثبات كيانها أو رغبتها بتطوير قدراتها، النَّوم، الاستحمام، لحظاتها مع زوجها – حبيبها -، كلها لم تعد كما كانت، وبقدر ما تعيش المرأة/ الأم بهذه الحالة مشاعر الحب والأمومة والعطاء والخَلق، تصيبها نوباتٌ من الكآبة الكامنة في المرحلة الأولى، وتغدو مدرَكةً كلياً فيما بعد وتعيشها على الملأ، سببها الحقيقي تفكيرها في اللاوعي بين ما كانت عليه وما آلت إليه، ما يجعلها تبدو غريبة الأطوار لكل من هم حولها.

اكتئاب ما بعد الولادة، أُثبت، بحسب الإحصائيات العالمية، أنه حالةٌ حقيقيةٌ واقعيةٌ مؤقتةٌ تصيب عدداً كبيراً من النِّساء، وتحديداً اللواتي يعشن تجربة الأمومة للمرة الأولى في حياتهن، بل إنه من الطَّبيعي أن يحدث لعدّة أسبابٍ، منها:

_ التَّغيُّرات الفيزيولوجية والهرمونية التي تحصل للمرأة/ الأم ناتج عن الحمل والولادة والإرضاع، وما أصاب جسدها من تبدُّلات في الشَّكل والمضمون.

_ المسؤوليات الجديدة الملقاة على عاتق المرأة/ الأم عند دخول هذا الكائن الصَّغير على حياتها، ما يجعلها تعيش حالاتٍ نفسيةٍ تتبلور إمّا بشكل خوفٍ شديدٍ على مولودها، أو قلقٍ من عدم قدرتها على تحمُّل هذا الكم الهائل من المسؤوليات.

_ استخفاف المحيط بكل ما سبق والتَّعامل مع الحالة النَّفسية للمرأة/ الأم بكثيرٍ من اللامبالاة، واتهامها بأنها هي من تختلق الأوهام والمخاوف، أو أنها غير جديرة بهذه المهمَّة.

_ عدم اهتمام الزَّوج بما تعيشه زوجته من مشاعر متناقضة، وعدم قيامه بالدَّور المنوط به في هذه الفترة، ما يؤدي أيضاً للمزيد من مشاعر القلق لديها على علاقتهما ورغبته بها أو حاجته إليها، والمؤسف أن عدد الأزواج الذين يراعون هذه المرحلة عند زوجاتهم لا يزال قليلاً جداً بالمقارنة مع أقرانهم الذين يجدون في هذه المرحلة سبباً لاختلاق المشاكل وإطلاق النُّعوت المختلفة على زوجاتهم، ما ينعكس سلباً على علاقتهما فعلاً، ويؤسِّس لمشاكل أكبر في المستقبل، فغالبية الأزواج بطبيعتهم لا يلقون بالاً للحالة النَّفسية للمرأة (الحامل والوَلود) إذ يزداد إفراز الهرمونات ما يجعلها أكثر حساسيةً تجاه أبسط التَّفاصيل وأتفهها.

_ يضاف إلى ما سبق عاملٌ اجتماعي يتجسَّد برغبة المحيط بجنس المولد الجديد (إن كان ذكراً) أو رفضه له (إن كانت أنثى)، ونقل هذا الإحساس للمرأة/ الأم وكأنها هي الشَّخص الوحيد المسؤول والذي يستحقُّ الثَّواب أو العقاب.

_ وسائل الإعلام التي كانت فيما سبق ولفترةٍ قريبةٍ تتعامل مع هذا الموضوع بطريقةٍ أقرب إلى السُّخرية والاستهزاء، سواء من خلال المسلسلات أو الأفلام.. إلخ. إلاّ أنها بدأت مؤخّراً تهتم بهذا النَّوع من الأعراض المؤقَّتة التي تصيب أفراد البيت بأكملهم كلّاً على حدة، غير أنها تتجلى أكثر عند الأم/ المرأة، وصارت تُدرج في برامج التَّوعية الاجتماعية والصِّحية، وفي الدراما، من خلال الإفادة من المختصين والمهتمين.

إذاً، وكما أسلفنا، فإن هذا النَّوع من الاكتئاب ما هو إلاّ حالةً مؤقتةً تنتهي أعراضها بالتَّدريج بعد فترةٍ من الولادة والاستقرار النَّفسي للأم، لذا فإنه يتطلَّب الكثير من الدِّراية بخصائصه وكيفية التَّعامل معه، سواء من قبل المرأة ذاتها، كي لا تستمر الحالة وتدخل فيما بعد بحالات من الاكتئاب لا علاج نافعاً معها، ما يجعلها تتغيَّر بالكامل وتصبح إنساناً غير فعَّالٍ، أو من قبل المحيطين بها، وتحديداً الزَّوج لما لوجوده من أهميةٍ كبيرةٍ في تجاوز زوجته للكثير من الأمور التي تحدث معها أو العكس تماماً، إضافةً إلى دور المجتمع المحيط والمتجسِّد إما بالوسط المقرَّب من الزَّوجين بشكلٍ مباشرٍ، أو من خلال وسائل الإعلام ودورها التَّوعوي الذي له فوائد عديدةٌ كبيرة الأهمية، لكونها تأتي عن طريق تواصل غير مباشر أولاً، وثانياً لكونها تصوِّر المجتمع ككل، فتدرك المرأة أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة التي ستتعرّض لمثل هذه الأعراض وتتجاوزها بسهولة إن أدركت المعنى الأروع والأعمق للأمومة وللحياة الأسرية الجميلة المتكاملة.

العدد 944 - 20/1/2021