ونحن نكمل العام التاسع للعدوان

بولس سركو:

يتجسد التلقين في الترديد الببغائي لأفكار معينة، واستقرارها في الوعي دون معالجتها علمياً وجدلياً، وقد أظهرت نقاشات ما بعد أكذوبة الربيع العربي في الشارع السوري أن التلقين ظاهرة متفشية تطال حتى بعض النُّخب المثقفة وتقف عائقاً أمام نمو الثقافة النقدية السيادية الحية، ففي بداية تظاهرات 2011 وما رافقها من مواقف وجدالات كان مجرد التلميح عن دور خارجي في تحريك الشارع يثير هياج الأميّ، كما يثير هياج الشاعر والمفكر في ردود متناسخة لاجمة تهكمية ومبتذلة، وكان من ارتفع منسوب حماسهم (الثوري) إلى الذروة ينظرون إلى من يربطون بين المشروع الاستعماري وأحداث ذلك التاريخ كسذج متقوقعون في أفكار بالية، عاجزون عن استيعاب تغيرات العصر و مرضى.

اليوم ونحن نكمل العام التاسع للعدوان الهمجي الخارجي على بلدنا الذي افتتحته تلك التظاهرات، تحيط بنا خرائب مدننا وبلداتنا وقرانا ونحن محملين بأثقال كوابيس لا متناهية ونسيج اجتماعي ممزق ومئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين، وملايين من الفقراء والجائعين والمشردين واللاجئين، الطائرات والصواريخ في سمائنا والأساطيل تضيق الخناق على شواطئنا وأحذية الجنود الصهاينة والأمريكيين والأتراك تدنس أرضنا، ليس ثمة أيّة إمكانية لنكران مدى فعالية العامل الخارجي اليوم لأن الدول المعتدية التي كانت تأمل من وكلائها أن يحققوا لها أهدافها صدمت بفشلهم الذريع مما دفع بها لتحل بأحذية جنودها محلهم.

هذا الواقع الكارثي المرير والحضور الخارجي العلني الصريح والمباشر وغير الشرعي والوقح برَّد الحماس (الثوري) والضجيج، وفرض ايقاعاً جديداً في نقاش الشارع، فهناك من تراجعوا عن مواقفهم السابقة وهناك من يكابرون ويرددون مبررات مختلقة، وهناك من لاذوا بالصمت بانتظار ميلان كفة الميزان إلى طرف ما، لكننا بحكم الواجب الوطني والنضالي الإنساني مستمرون في فضح الزيف وكشف الحقائق أمام شعبنا ومواجهة التضليل وليست القضية إظهار من كان مصيباً ومن كان مخطأ.

لقد سبق أن تحدثت في عدد من المقالات السابقة عن البروفيسور الصهيوني الأمريكي جين شارب، وأجد نفسي مضطراً للتركيز هنا على ربط أفكاره بالوقائع التي حصلت في سورية وجميعها موثقة وغير مشكوك بمصداقيتها، فهذا المجرم أحد أخبث الشخصيات الفكرية التي عملت على أمركة العالم وفق منهج محدد موجه ضد البلدان المدافعة عن سيادتها واستقلالها ومخصص لإسقاط حكوماتها عن طريق تحريض شعوب هذه البلدان على ما سمي بالثورة اللاعنفية

بعد عمل جين شارب لسنوات طويلة كأستاذ للعلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس في دارتموت ومشرفاً على الدراسات والأبحاث في مركز الدراسات الدولية في جامعة هارفارد، أسس معهد ألبيرت أينشتاين المتخصص بما تسميه ويكيبيديا (العمل السلمي للوصول إلى الحقوق) ولكن للحقيقة والدقة، المعهد متخصص بالتخطيط الاستراتيجي للإطاحة بالحكومات المستهدفة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الأنشطة اللاعنفية والعنفية حين يقتضي الأمر، والوسائل السيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية بالتدريج.

في مقال لسعيد محمد بعنوان (كيف تصنع ثورة؟) سيرة ملهم الثورات الملونة، نشرته جريدة الأخبار اللبنانية 6 تشرين الثاني 2019 لخص الكاتب أهم ما ورد في وثائقي بريطاني بعنوان (بالكلمات وليس بالسلاح، جين شارب 1928-2018) وتضمن فكرة عن الدليل الذي وضعه جين شارب ليكون بمثابة برنامج عمل للثورات الملونة، مكون من 198 تكتيكاً منها استخدام السخرية كسلاح وتوجيه الغضب مركزاً على شخصية الرئيس المستهدف وطرق الأواني في وقت إذاعة نشرة الأخبار الرسمية على التلفزيون الحكومي وإغلاق الطرق العامة وتوزيع الورود على الجيش وعزف الموسيقى والرقص في الشوارع، واقتحام المباني عالية الرمزية واسقاط التماثيل مع التركيز على الحضور الإعلامي الكبير والنقل المباشر للعالم بأسره وهذا غيض من فيض.

يعطي الكاتب مثالاً عن صربيا كتجربة عملية حيث أوفدت المخابرات المركزية الأمريكية روبرت هارفي للقاء زعيم المعارضة الصربية سرخا بوبوفيتش حاملاً معه نسخة من تعليمات جين شارب وعدة ملايين من الدولارات ليقوم الأخير بتطبيقها مع فريق كامل تحت اسم (أوتبور)باللغة الصربية وتعني المقاومة، استمرت حتى سقط النظام عام 2000 فتحول بوبوفيتش ورفاقه بعد ذلك إلى مدربين عالميين في معهد جديد أطلقوا عليه اسم (كانفاس) يدرس طرق تصنيع الثورة ويتلقى الدعم من المخابرات الأمريكية، ويؤكد الكاتب أنه لم يعد سراً أن الثورات الملونة في أوكراينا وجورجيا وإيران وزيمبابوي وفنزويلا وما سمي بالربيع العربي، تونس ومصر وسورية ولاحقاً لبنان والعراق تلقى جميع قادتها تعليماتهم والدعم المالي واللوجستي من هذا المعهد.

أحد اللذين تلقوا التدريب السوري (أسامة المنجد) وقد ظهر في الوثائقي البريطاني المذكور معترفاً بأنه عمل ميدانياً مع فريق كامل على الإطاحة بالدولة السورية، وأنه كان ضمن الطاقم التحضيري لما سمي بالثورة في سورية، فمن هو أسامة المنجد الذي زار شخصياً جين شارب عام 2006؟

هو سوري من مواليد 1980 في الكويت، تخرج من كلية الاقتصاد والتجارة في دمشق عام 2004 وحصل على اللجوء السياسي في بريطانيا وانتقل من جماعة الإخوان المسلمين إلى حركة العدالة والبناء المعارضة، التي تأسست في بريطانيا عام2006 وتدعي أنها حركة علمانية رغم أن جميع قادتها المعروفين هم من أصول إخوانية، من رئيسها أنس العبدة إلى أعضاء مجلسها التنفيذي مثل ابراهيم المرعي من إدلب، وعاصم أبا زيد من درعا، وتنسق الحركة مع وسائل الإعلام ومراكز البحوث والمنظمات غير الحكومية ومع الحكومات والبرلمانات والمؤسسات الرسمية وتتلقى الدعم المالي من المحافظين الجدد ذوي التوجه الصهيوني في الادارة الأمريكية ومن الموساد الإسرائيلي.

اعتراف أسامة المنجد في الوثائقي البريطاني سبقه اعترافه منذ عام 2011 للعديد من الصحف الغربية ومنها صحيفة (نوفيل ابزرفاتور) الفرنسية أنه ساهم في جمع الشباب الذين يعتبرون أنفسهم مدافعين عن حقوق الإنسان لتجنيدهم وإعدادهم للعمل الميداني ضمن برنامج جين شارب التدريبي، وخاصة في الأردن وتركيا قبل اندلاع الأحداث في سورية وأنه هو من أدخل هواتف سمارت الخاصة المتصلة بالأقمار الاصطناعية إلى سورية، ونشر أعداد كبيرة من الكاميرات السرية التي تعمل بنظام بث عبر الستالايت في دمشق وعدد من المدن الأخرى لنقل أحداث الشارع إلى قناة الجزيرة القطرية وغيرها من جوقة الإعلام المعادي، ويرتبط اسامة المنجد بعدد من الناشطين المعارضين، ومن أهمهم السوري فداء السيد الذي يعمل أمام جامع في السويد وهو أول من أطلق صفحة بعنوان شبكة الثورة السورية على فيسبوك لعبت أكبر الأثر في حشد المتظاهرين في سورية، ومنهم السوري رامي نخلة المقيم في بيروت الذي كان ينسق من شقته عمليات تجميع الأخبار والفيديوهات وإرسالها إلى الخارج، كما يرتبط المنجد بعلاقة خاصة بالمعارض السوري برهان غليون.

كان كل هؤلاء يتلطون وراء نفي العامل الخارجي وكان بسطاء التفكير يرددون ورائهم ذلك بابتسامة ساخرة بلهاء ولكن إذا كان من خطط ودعم ومول ودرب ونفذ ثم دخل على الخط مباشرة في النهاية هي جهات خارجية، وإذا كان عملائهم المحليين يعترفون جميعاً بشراكتهم في هذا العدوان، فأيّ عاقل في هذا الكون يمكنه نفي الدور الأكبر لهذه الجهات في تدمير بلدنا؟

لإن الثورة لا تصنع في مختبرات مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية، بل تقوم على تراكم تناقضات الواقع التاريخي.

 

العدد 904 - 25/3/2020