ماذا وراء استفزاز ماكرون في القدس، وهل ترد فرنسا؟

د. صياح عزام:
خلال زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون الأخيرة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، والتي قام خلالها بزيارة الكنيسة الصلاحية في منطقة باب الأسباط في مدينة القدس المحتلة، تعرض ماكرون لإهانة واضحة من الأمن الصهيوني، حيث حاولت شرطة الاحتلال التضييق على الحرس المرافق له، الذي رفض بدوره، أي حرس الرئيس ماكرون، مرافقة رجال الشرطة الصهاينة له ودخولهم إلى حرم الكنيسة التي تقع على أرض تعود ملكيتها لفرنسا.
جاء ذلك في وقت كانت فيه قوات الاحتلال تتواجد بكثافة كبيرة في منطقة باب الأسباط، وعلى أبواب ومحيط الكنيسة الصلاحية، حيث أبدى الرئيس الفرنسي امتعاضه الشديد من الطريقة التي تعامل فيها عناصر شرطة الاحتلال معه، قائلاً لأحدهم بنبرة غاضبة (لم يعجبني ما فعلته خلفي، نحن نعرف، والجميع يعرف القوانين والإجراءات، وعليك احترامها(

وطلب ماكرون من شرطة الاحتلال احترام المكان وقوانينه، قائلاً للضابط الإسرائيلي: (اخرج من هنا، أنا آسف، ولكننا نعرف القوانين، لا يحق لأيّ أحد أن يستفز شخصاً آخر، فلنلتزم بالهدوء والاحترام للآخر.. رجاءً احترموا القوانين التي لم تتغير منذ قرون، فليحترم الجميع القوانين)
هذه الحادثة تعيد للأذهان حادثاً مشابهاً تعرض له الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك أثناء زيارة له لإسرائيل، إذ لم يسلم من مضايقات شرطة الاحتلال خلال زيارته للقدس الشرقية في 22 تشرين الأول 1996.
لا شك بأن لهذا الحادث الذي تعرض له ماكرون دلالات وأبعاد كثيرة منها:
– إن قوات الاحتلال الصهيوني تتجاهل الأعراف والقوانين الخاصة بالأماكن الدينية العربية الواقعة تحت الاحتلال، ولا تقيم أي وزن أو اعتبار لحرية الوصول إلى أماكن العبادة، ولا لحرية العبادة من أساسها.
– عنجهية شرطة الاحتلال الإسرائيلي مع كل زوار القدس، حتى لو كان الزائر رئيساً لدولة كبرى، مع العلم بأن هذه الدولة الكبرى (فرنسا) كانت من الداعمين لقيام الكيان الصهيوني في فلسطين، وكانت هي التي ساعدت كيان الاحتلال على أن يمتلك السلاح النووي.
– إن مثل هذا التصرف لشرطة الاحتلال يأتي في سياق السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى فرض أمر واقع على العالم كله بأن القدس بشطريها هي عاصمة موحدة لكيان الاحتلال، وأن كل ما يجري ويحصل فيها يجب أن يكون بمعرفة وتحت إشراف سلطة الاحتلال.
– أيضاً يشكل هذا التصرف رسالة من كيان الاحتلال إلى أن القدس بشطريها لا علاقة للفلسطينيين بها، فهي جزء مما تسمى (أرض الميعاد) وأن إسرائيل هي المسؤولة عن الصغيرة والكبيرة فيها، ولا يحق لأحد الاعتراض على ذلك!
إن الأمر المستغرب هنا هو التالي: لماذا استفز هذا الحادث ماكرون ومن قبله الرئيس الراحل جاك شيراك، ولم يستفزهما ما تمارسه سلطات الاحتلال الصهيوني من قمع للفلسطينيين، ومن مصادرة حقوقهم وأراضيهم منذ قيام هذا الكيان الاحتلال قبل سبعين عاماً وحتى الآن، هذه الممارسات القمعية والاضطهادية التي تشكل كابوساً ثقيلاً على صدور أبناء الشعب الفلسطيني.
بالطبع الإجابة معروفة للجميع، لأن فرنسا وغيرها من الدول الغربية هي التي صنعت ودعمت ولا تزال هذا الكيان حتى الآن.
والسؤال الآخر أيضاً: هل يؤثر هذا الحادث على العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية؟

قد لا يؤثر على هذه العلاقات، إلا أنه شكل دليلاً على مدى استهتار كيان الاحتلال بالمواثيق والأعراف الدولية، ودليلاً صارخاً على مدى الظلم الكبير الذي لحق بالفلسطينيين على مدى سبعة عقود من الزمن، وحتى قبل ذلك على أيدي العصابات الصهيونية التي ارتكبت مجازر بشعة بحق الفلسطينيين أمام سمع وبصر العالم أجمع، وبمساعدة بريطانيا آنذاك والولايات المتحدة الأمريكية لاحقاً.
والسؤال الأخير: هل ستبقى الدعاية الصهيونية مسيطرة على عقل ووجدان الغرب عامة بما تملكه من مال ومن سطوة إعلامية كبيرة؟

على المدى المنظور ستبقى هذه الدعاية على حالها بل سيزداد تأثيرها، وهذا ما يتجسد في الدعم الأمريكي اللامحدود لكيان الاحتلال، خاصة في ظل إدارة الرئيس ترامب الذي حقق له ما لم يحلم به.

العدد 898 - 12/2/2020