(كو كلوكس كلان) بذور العنصرية والارهاب الأمريكي

بولس سركو:

ما كان ينقص نزعة العنصرية المتأصلة في التاريخ الأمريكي سوى رفدها بجرعة فائضة الحقد من العنصرية الصهيونية كي يولد في عالمنا كيانا مركبا قوامه مهووسين في اختلاق العنف والإرهاب بعبقرية نادرة.

(كو كلوكس كلان) تعبير يختصر التقاء العنصريتين المتعصبتين، وهو بالأساس اسم جماعة رجعية سرية من ملاك العبيد، نشأت في الجنوب الأمريكي عام 1865 ويعني الاسم فرسان الطوق (كلوكس كلمة يونانية تعني الطوق) ويقول أحد المؤرخين الأوائل لهذه الجماعة بأن التسمية تذكرنا بصوت عظام الهيكل العظمي حين يضرب بعضها بعضاً، كما جاء في ص13 من كتاب تاريخ الارهاب الامريكي للمؤلفين ر.ف.ايفانوف و ف. ليسينفسكي ترجمة غسان رسلان  الذي جمع تفاصيل تطور هذه الجماعة وتصاعد نشاطها وشخصياتها وتغلغلها في الأوساط الحاكمة وأثرها على السياسات، كما ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية حديثا فيلم وثائقي عنها بعنوان (الإمبراطورية الخفية) يؤكد تأييد أنصارها لدونالد ترامب ويرون فيه منفذاً لمنهجية الجماعة وموقفها المعادي للمهاجرين.

اعتماداً على الكتاب المذكور فإن دستور الجماعة يقول بأنها وجدت لمنع هلاك أمريكا وتخليص العرق الأبيض ودعم سيطرته وكل محاولة لتسليم السلطة للعرق الأسود هي خرق للدستور وللإرادة الالهية ومع أن الجماعة المعروفة اختصاراً بـ(ك ك ك) مناهضة لكل المهاجرين أساساً بما فيهم اليهود الا أن الأخيرين وجدوا طريقهم إليها عبر العامل الكنسي منذ عام 1915 حين جدد نشاطها (سيمونز) المبشر التابع للكنيسة الاسقفية المنتسب إلى عدة محافل ماسونية وإلى تنظيم فرسان الهيكل وهو ابن عضو سابق في (ك ك ك)، عرف بصوته القوي حسن الوقع ومظهره الذي يثير انطباع غيبي حسب وصف الكتاب ص35 و كان له أثره الكبير في دفع الجماعة الى المزيد من العنف العرقي والارهاب العنصري، وزيادة أعضاء الجماعة إلى حوالي 100 ألف عام 1916 إذ بدأت تعمل تحت شعارات ديماغوجية تدعو إلى محاربة القوادة والبغاء وحماية الأخلاق الدينية، مما أكسبها ثقة الكثير من الأمريكيين فلم يمضٍ عام 1924 حتى وصل عدد أعضائها إلى 6-9 ملايين إنسان، وتحولت بموجب ذلك الى إمبراطورية مالية عملاقة بلغ دخلها 90 مليون دولار فقط من رسوم العضوية.

يمارس أعضاء (ك ك ك) بعض الطقوس الشاذة في الغابات إذ يرتدون ملابس بيضاء مع غطاء رأس لا يظهر منه الا العينين، ويحملون جذوع أشجار مشتعلة لرميها على صليب ضخم ثم الالتفاف حوله وهو يحترق مع ترديد شعارهم (لأجل الله والقومية، الصليب منارة في الطريق، أيقونة الدين والأمل والحب، على خطى السيد المسيح الذي طهر الأرض من الظلام) وكانت تدعو بإلحاح الى تقوية التعصب القومي والشوفينية وبشكل خاص عندما بدأت تتسرب الشيوعية إلى المجتمع الأمريكي وقد كتب المؤرخ د.م. تشالميرز أن عدد ضحايا (ك ك ك )لن يُعرف أبداً، كانت قوة كلان لا حدود لها في تعاملها مع خصومها الشيوعيين والراديكاليين ومسؤولي النقابات والزنوج، ففي تكساس صبوا النفط على أحدهم وأحرقوه حيا أمام مئات الكلانيين.

ظل العنف والتعذيب والتفنن في وسائل التصفية الجسدية يرافقان نشاط الجماعة التي ساهمت في صنع السياسة الأمريكية على جميع المستويات وقد خضعت كثير من الولايات لإشرافها بعد الدعم المالي الكبير الذي قدمته الى مرشحيها الاحتكارات النفطية فقد نصبت أنصارها كحكام لولايات جورجيا وألاباما وكاليفورنيا وأريغونا وكولورادو ومينا وأوهايو وانديانا، ونجح مرشحها في أوكلاهوما في تمثيلها في مجلس الولايات المتحدة الأمريكية.

تعود لجماعة كو كلوكس كلان أسباب تصاعد المشاعر الرجعية بين أعداد كبيرة من السكان البيض وتوسع أيديولوجيا العنصرية بينهم ففي (سان هوسي – كاليفورنيا )كتب العنصريون على جدران البيوت خلال محاكمة المناضلة الشيوعية أنجلا ديفيس شعار (ألقوا بهذه السوداء في غرف الغاز) إذ تلعب الرمزية الدينية دوراً كبيراً جداً في التفكير الكلاني، ففي نهاية العام 1963 بلغ عدد الكنائس المعمدانية وحدها في الجنوب 33 ألف كنيسة تضم 10 ملايين إنسان إذ تشتد في مثل هذه الأماكن مشاعر العداء للآخرين وتجد الكلانية فيها سنداً كبيراً وبيئة ملائمة تدعم تطرف الجماعة ونزعتها القومية ومعاداتها للعلم وللشيوعية وقد ورد في ص 115 من الكتاب أن (القاسم المشترك الذي يوحد بين صهاينة الولايات المتحدة الأمريكية والمنظمات الرجعية الأخرى القائمة على خدمة الامبريالية الأمريكية وعلى رأسها ك ك ك هو معاداة الشيوعية وقد اكتسب هؤلاء وحدتهم من خلال اجتهادهم في خدمة عالم التجارة الكبير) ويعطي الكتاب عدة أمثلة على ذلك منها دعم كبار المحتكرين الأمريكيين لكلان بمن فيهم رجال المال في كاليفورنيا وجنوب غرب البلاد وكبار أرباب صناعات النسيج في كارولينا والنفط في تكساس.

ويمتد نفوذ (ك ك ك) في القوات المسلحة والشرطة الأمريكية بشكل كبير وخطير، إذ وصف أحد الضباط الأمريكيين هذه القوات بأنها (أقوى القلاع العنصرية على الأرض ص122 )، ففي صفوفها ينتشر الكلانيون ومختلف المنظمات اليمينية المتطرفة وهو السبب الكامن وراء انتشار الآراء العنصرية على نطاق واسع بين عناصر الجيش والبوليس الأمريكي، وارتباط المؤسسة العسكرية الأمريكية ارتباطا وثيقا بالأوساط الحاكمة معروف فهناك قرابة فكرية بين الكلانية والقيادة العنصرية في الجيش وكافة المراكز الإدارية الأساسية في الولايات المتحدة الأمريكية، ينعكس ذلك على قررات ومواقف الإدارة بطريقة فظة مهما قامت واشنطن الرسمية بتمويه ذلك الارتباط لأن شعور التفوق والميول العنصرية المتطرفة ومظاهرها تصبغ الخطاب السياسي للمسؤولين الأمريكيين ومواقفهم من باقي دول العالم وعلاقاتهم بها، الأمثلة على ذلك لا تحصى ومنها رفض واشنطن والكيان الصهيوني تأييد برنامج الأمم المتحدة العشري (1973 -1983) للنضال ضد العنصرية والتمييز، ومنها أيضا ما أعلن عنه الرئيس الأمريكي مؤخرا عن صفقة القرن وما تتضمنه من تجاوز لحقوق الدول والأفراد وتكريس أبدي للاحتلال.

 

العدد 904 - 25/3/2020