المواطن والوضع الاقتصادي الراهن

د. منير الحمش: 

ربما يتساءل البعض: لماذا نجعل من الحديث عن المواطن مدخلاً للحديث عن الوضع الاقتصادي؟

 والإجابة عن هذا السؤال تعيدنا إلى بداية الاحداث التي انطلقت من تونس نهاية 2010، ثم مصر وتالياً سورية وغيرهما من البلاد العربية.

كان الشعار الذي بدأت به الأحداث والذي انتشر في أرجاء الشوارع والساحات: خبز – كرامة – عدالة اجتماعية.

 والخبز هو غذاء المواطن العادي، الذي يوازي العيش، والعيش في مصر يعني الخبز، والعيش يحتاج للكرامة. كرامة المواطن تحقيقاً للعدالة الاجتماعية التي تهم المجتمع بأسره.. فنقطة البدء إذاً هي المواطن باعتباره الخلية الاولى الانتاجية والاستهلاكية في المجتمع.

 ولكن أي مواطن؟

 المواطن الذي نطمح إليه يتميز عن الرعية الذي يتصف بالتبعية، كما أنه ليس مجرد إنسان، بل هو إنسان يتمتع بالسيادة، أي إنه عضو في هيئة سياسية، وهذه الهيئة السياسية تفرض على المواطن (باعتباره إنساناً يأخذ باعتباره الصالح العام) واجبات في مقابل الحماية العامة لحقوقه.. وبالتالي يمكن القول إن المواطنة وهي التعبير عن الهوية الوطنية إنما تعبر عن مجموعة من الحقوق والواجبات والمشاركة النشطة في الحياة السياسية القائمة على العدل والمساواة كركيزة لبناء المواطن.

 من هذا المدخل أي من مدخل المواطن والمواطنة، يصبح الحديث عن الوضع الاقتصادي الراهن في سورية ذا بعدٍ سياسي – اجتماعي – لا يسمح بتحكم الوصفات الجاهزة ولا المعادلات الرياضية والإيديولوجيا النيوليبرالية أن تتحكم بمصير المواطن والمواطنة.

 فالمساواة التي تفرضها المواطنة الحقة، تعني تمتّع أعضاء الهيئة السياسية أي مجموع المواطنين، دون تمييز (بسبب العرق أو الدين أو الجنس) برأي سياسي ودون اعتبار للثروة والنفوذ والاعتراف بحقوق المواطن والإنسان مع الإشارة إلى واجباته على أساس المساواة دون إقصاء أو تهميش أو تمييز، وعندما نقول دون تمييز، نعني:

– دمج جميع المواطنين في المجتمع بصرف النظر عن الدين والعرق أو الجنس.

– الاعتراف بحقوق المواطن والتأكيد على واجباته على أساس المساواة.

وعلى أساس قيم التسامح التي تقابل قيم التعصب مما يعد أساسياً للممارسة الديمقراطية مما يعني قبول الاختلاف بالرأي والعيش المشترك، في مجتمع لا يقوم على التمييز انطلاقاً من المشاركة في الحياة السياسية.

وفي الواقع.. فإن الحديث عن المواطن والمواطنة والحياة السياسية، يحتاج إلى بحث مستقل ومطول.. إنما أردنا بهذه المقدمة الدخول إلى صلب الموضوع الذي نحن بصدده، وبيان الصلة بين المواطن والوضع الاقتصادي الراهن، فالمواطن هو البداية وإليه المنتهى، وكل ما يرسم من سياسات اقتصادية واجتماعية، هدفها النهائي: المواطن، وفي الوقت ذاته فإن الوسيلة الوحيدة للانتقال من الوضع الاقتصادي الراهن إلى وضع أفضل، هو المواطن، فمنه تنطلق عملية التغيير والبناء ومن أجله يتم ذلك.

 والانطلاق من عملية التغيير، تفترض بالوقوف على حقيقة الوضع الراهن، وصولاً إلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي قادت إليه.

 أما عن الوضع الراهن، فلن آخذ وقتاً طويلاً في توصيفه، ذلك أن كل مواطن يعيش هذا الوضع يستطيع أن يحيط به من خلال المعاناة اليومية التي يتعرض لها في سعيه لتأمين احتياجاته، في الوقت الذي يلمس واقعياً كيف يذوب إيراده الشهري كما تذوب قطعة السكر في كوب الشاي – اللهم إذا توفرت قطعة السكر.. وهذا في حال أن لديه إيراد، فكيف الحال مع الذين ليس لديهم إيراد.

 الجميع يعانون (عدا حفنة من تجار الأزمة وأصحاب النفوذ المالي، وبضمنهم المستفيدون من نار الحروب التي تعبث بسورية ومواطنيها).

 نعم، الجميع يعانون النقص في المواد الحياتية.. ارتفاعات متوالية في الأسعار الناجمة عن (دولرة) الاقتصاد، فكل شيء أصبح يسعّر في ضوء الارتفاعات غير المسؤولة وغير المبررة لسعر صرف الدولار، إضافة إلى ما نشهده من تراجع دور الدولة في الصحة والتعليم والخدمات التقليدية التي تقدمها للمجتمع خاصة الكهرباء والمياه ومشاريع الصرف الصحي.

 ويأتي في السياق تراجع الإنتاجية والإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، والإنتاج الصناعي بما فيه منتجات القطاع الحرفي الواسع في المدن والأرياف.

 ويغلف ذلك كله تراجع الأداء في الدوائر الحكومية والبلدية مع انتشار واسع للفساد بجميع أشكاله.

 هذا جانب من المسألة، أما الجانب الآخر فهو السياسات الاقتصادية التي تم انتهاجها قبل الأحداث، والتي أريد لها أن تكون الأداة الفعالة التي تمهد الطريق لإثارة اليأس والإحباط لدى قطاع واسع من الشباب، مما ينقلهم من حالة التذمر إلى حالة الاحتجاج، التي كانت بداية نشاط الفصائل الإرهابية، واتساع نشاط القوى المعادية، والتدخل الأجنبي. ولعل أهم نتائج السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة هو انحسار الطبقة الوسطى، والتفاوت الهائل في مستويات الدخل والمعيشة.

 ومن خلال نظرة إلى ما يحيط بسورية من مخاطر وما نجده من تكالب القوى الإقليمية والدولية علينا، ومن تعدد العوامل وتشابكها ومن تصاعد وتفنن في وسائل القتل والتدمير، والأهم ما نشهده من شروخٍ اجتماعية فاقت كل تصور، بما في ذلك تصور من رسم وخطط لهذه الأحداث، والأهم من هذا كله، عدنا نكتشف الوظيفة أو المهمة القذرة التي قامت بها السياسات الاقتصادية الليبرالية التي تم انتهاجها من قبل حكومات ما قبل الأحداث، وحولت الاقتصاد الوطني من اقتصاد منتج إلى اقتصاد ريعي، فهذه الوظيفة أو تلك تؤكد أنه كان للسياسات الاقتصادية الليبرالية أبعادٌ أخرى غير اقتصادية تتعلق بالسياسة والمجتمع والثقافة والعقائد والقيم والأخلاق، ولعل هذا يفسر ما سبق أن طرحناه قبل الأحداث بسنوات، بأن سياسات الاقتصاد المنفتح واقتصاد السوق المنفلت سيؤديان إلى ما دعوناه (مجتمع المخاطر) فأية مخاطر أخطر وأشد ضرراً مما نشهده اليوم؟!

 منذ الاستقلال وسورية تتعرض للمؤامرات، وكان الهدف دائماً هو أن تنخرط سورية في إطار الأحلاف والسياسات الإمبريالية، ومع تصاعد أهميتها الجيوسياسية، كانت تتصاعد حدة المؤامرات التي استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة.. وبقيت سورية صامدة بفضل وحدتها الوطنية وتضامن شعبها وعدم قدرة أصحاب المؤامرة على إحداث اختراق شعبي ومجتمعي يزعزع صمودها.

 وعندما فشلت مداخل التآمر التقليدية تم التوجه إلى السلاح الأمضى والأمثل، السلاح ذو المفعول المديد، ألا وهو الاقتصاد عن طريق العمل من الداخل من أجل إضعاف الدولة وتحويلها إلى دولة رخوة واختراق المجتمع، ولهذا تضمنت جميع المشاريع المقدمة إلينا من الولايات المتحدة ومن أوربا شطب كل حرف ومدعومة من الصهيونية العالمية، تضمنت هذه المشاريع الانتقال إلى اقتصاد السوق أي الوصول إلى تحقيق قيام (الدولة الرخوة) أو (الدولة الفاشلة).

– الدولة الرخوة أصبحت مطلوبة من أجل (تركيع سورية) أمام مطالب الإمبريالية والاستعمار الجديد ومقتضيات العولمة ومتطلبات الاندماج بالاقتصاد العالمي، وهذا يتطلب إضعاف المؤسسات العامة وتهميش الدولة وشعبها، وإضعافها أمام ضغوط الخارج من جهة، وإغراءاته من جهة ثانية.

– أما اختراق المجتمع فمن الممكن تحقيقه بنزع ثقافة وحدته، وإحلال ثقافة مغايرة لطبيعته وتطلعاته، ويكون هذا بتعميم ثقافة السوق وإشاعة الثقافة الطائفية وإثارة الحساسيات المذهبية.

– ثقافة السوق تنطلق من أبشع صور الأنانية والقيم المبتذلة، والثقافة الطائفية والمذهبية تنطلق من أرخص نوازع الشر واحتقار الآخر، ونبذ العيش المشترك وتحريك الغرائز القذرة.

أين أسهمت السياسات الاقتصادية الليبرالية والتحول إلى اقتصاد السوق في تحقيق ذلك؟

1- إضعاف الدولة كنتيجة مباشرة لإضعاف الاقتصاد وتسليم مقاليده للقلة من رجال الأعمال المتحالفة مع البيروقراطية الليبرالية، وقد تحقق ذلك بانسحاب الدولة من دورها الاقتصادي والاجتماعي، وخصخصة الاقتصاد السوري، والسماح بتآكل القطاع العام الصناعي، وتجميد عمل ومهام مؤسسات التجارتين الداخلية والخارجية، وفقدان الدولة سيطرتها على احتياطات المواد وإهمال الريف، وخاصة في شمال شرق سورية.

2- فقدان هيبة القانون، والتجاوزات التي كان يقوم بها أصحاب النفوذ والحظوة.

3- إشاعة أجواء الفساد والإفساد، فقد أصبح الفساد ممارسة يومية تجتاح فئات المجتمع بأكمله.

4- اتساع رقعة اقتصاد الظل، وأصبح قسم هام من المعاملات الاقتصادية يجري خارج الأقنية الاقتصادية الرسمية، ويتصل بذلك تزايد عمليات تهريب البضائع من وإلى البلاد، واتخذ ذلك ستاراً لتهريب الأسلحة وتخزينها انتظاراً لليوم الموعود، مما يشير إلى التحول إلى الاقتصاد الريعي.

5- إجراء تغيير جذري في الحامل الاجتماعي للنظام، فبعد أن كان هذا الحامل هو العمال والفلاحين وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة والكسبة والفقراء، أصبح الحامل الاجتماعي للنظام الفئات الغنية وأصحاب الحظوة والنفوذ من رجال الأعمال الجدد، واستعيض عن نقابات العمال واتحادات الفلاحين وغرف التجارة والصناعة والزراعة التقليدية، بمجالس رجال الأعمال المشتركة مع الدول اأاجنبية كما استعيض عن جماهير الشعب بفئة قليلة من المحاسيب والأزلام، وتحولت للأسف المنظمات الشعبية إلى ما يشبه الدوائر البيروقراطية الرسمية.

6- من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادي، تم الترويج لثقافة العولمة والاندماج في الاقتصاد العالمي، بدلاً عن سياسات استقلالية القرار الاقتصادي، وبدأت الدوائر البيروقراطية تتسابق في تملّق المؤسسات المالية والدولية والاتحاد الأوروبي وتسعى لرضائها، وتم اتخاذ إجراءات الالتحاق بالشراكة الأوربية ومنظمة التجارة العالمية بأبعد مما يريده ممثلو الشراكة وإدارة المنظمة إظهاراً لحسن النية على حساب القرار الاقتصادي الوطني والمصالح الوطنية.

بعد أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، فالمسألة أصبحت تتطلب مواجهة صريحة وشفافة، فإذا لم نقضِ على الأسباب والمسببات لن نستطيع تلمس الحلول الناجعة، وأرى بهذا الصدد أي بصدد (السياسات الاقتصادية والوضع المعيشي للمواطن) أن تكون المواجهة على مرحلتين:

المرحلة الأولى: المعالجة الإسعافية للوضع الراهن، من خلال إدارة الأزمة، باعتبار أن الوضع المعيشي للمواطن من أهم أسباب الأزمة من جهة، ومن أهم عوامل الخروج منها من جهة ثانية، مع تركيز الجهود لمواجهة متطلبات السكان الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم والنزوح والهجرة داخل البلاد وخارجها، وإذا كان من البديهي أن الوضع الأمني، يعتبر من أهم معوقات إيجاد الحلول أو معالجة موضوع تأمين احتياجات السكان، فإنه لا يجوز أن ننتظر توفير الأمن لنقوم بهذه المهمة، ومن هنا لا بد من أن يشعر الجميع (المسؤولون والمواطنون) أننا في حالة غير طبيعية، وبالتالي يجب أن نبحث عن حلول استثنائية ومن هنا لا بد من إطلاق المبادرات والتفكير بالحلول السريعة والآنية لتجاوز مسألة النقل والمحافظة على المخزون من خلال إجراءات خلاقة لا يعيقها الروتين ولا البيروقراطية.

 أما ما تبقى من حلول وسياسات اقتصادية فهي تنطلق من مبادئ وأساسيات تدور حول استعادة دور الدولة الاقتصادية، وتتكامل مع سياسات أخرى، ومع سير العمليات العسكرية لإبراز قوة الدولة الاقتصادية إلى جانب قوتها العسكرية.

 من هنا يجب العودة إلى أمرين أساسيين وهما:

أ‌- أ- إعادة تفعيل دور مؤسسات التجارة الداخلية والخارجية، وتكليفها باستيراد أهم المواد الحياتية والقيام بدور احتكار (نعم، احتكار) تجارة الجملة لهذه المواد، والقيام بتوزيعها عن طريق البطاقة التموينية، مع مضاعفة الكميات المخصصة لكل فرد وعائلة، ولا خوف من أن يبيع ما يفيض عن الحاجة في السوق.

ب‌- ب- استخدام احتياط النقد الأجنبي (حصراً) لهذا الغرض، أي بغرض تمويل استيراد المواد الحياتية الضرورية من قبل مؤسسات الدولة، وفيما عدا ذلك المحافظة على احتياط النقد الأجنبي، ما أمكن لتدعيم الوضع النقدي.

ضمن هذين الأمرين تنصب الجهود نحو:

1-  تنشيط تجارة التجزئة الحكومية والتعاونية وتوسيع تشكيلتها السلعية لتكون رديفاً فعالاً وعامل توازن لعرض المواد والسلع في الأسواق، وقيام الدولة بدون تاجر الجملة والمستورد والاحتفاظ باحتياطات المواد.

2- إيجاد التنسيق الفعال للسياستين النقدية والمالية، والعمل على استمرار التوازن بين هاتين السياستين وتعاونهما معاً من أجل تخفيض التضخم وإيجاد الموارد المالية لخزينة الدولة واستخدام الضرائب والرسوم للأغراض الاقتصادية والمالية والاجتماعية بآنٍ معاً. والعمل على تعزيز ثقة المواطن بالعملة الوطنية.

3-  استمرار دعم المواد الحياتية عند البيع للمستهلك، وكذلك استمرار دعم الطاقة المخصصة للمعامل وشركات النقل والآليات الزراعية.

4-  مساعدة القطاع الصناعي العام والخاص على إعادة تشغيله، وتأمين مستلزماته الإنتاجية، والعمل على حمايته أمنياً ما أمكن ذلك، ذاتياً، وبدعمٍ من قواتنا المسلحة، ومساعدة هذا القطاع على تصريف منتجاته عن طريق مؤسسات التجارة الحكومية، إذا رغب في ذلك، أو عن طريق القطاع الخاص التجاري مع الاهتمام بتشجيع التصدير.

5- إيلاء الأهمية للقطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، والعمل على معاودة النشاط الزراعي ضمن أفضل الظروف الأمنية.

إن النجاح في تنفيذ هذه المتطلبات سيكون مرهوناً بتوفر العناصر البشرية المؤمنة بأهمية المرحلة والتي تحظى بالشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، ولا بد أن يرافق ذلك سلوكٌ حازم في الحد من الفساد وتفكيك شبكاته.

المرحلة الثانية: هي مرحلة ما بعد الأزمة، والتي تحتاج منذ الآن إلى التحضير لوضع الأهداف والوسائل والآليات لاعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية تتلاءم وتتناسب مع احتياجات النهوض ومعالجة الآثار الكارثية التي خلفتها الأحداث العسكرية، والعدوان الذي قاد إلى شيوع ظاهرة النهب والسرقة.

ولعل أول الإجراءات المطلوبة تحقيقها هو العمل على إلغاء العقوبات الاقتصادية العربية والأجنبية، وإعادة الاعتبار لدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، والعودة إلى المسار التنموي جنباً إلى جنب مع إعادة الإعمار للبنى التحتية والمساكن، ومن خلال سياسات اقتصادية واجتماعية وفق المنظور الآتي:

1-  إعلان النأي عن السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة والبعد عن نصائح وتوصيات المؤسسات الدولية المالية.

2-  إعادة النظر بجميع السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والمصرفية والتجارية التي تم إقرارها، وتنفيذها، في مرحلة ما قبل الأحداث، وإعادة رسمها على أسس جديدة تنطلق من دور الدولة التنموي، ومن مقولة (النمو والازدهار مع العدالة الاجتماعية).

3-  لا يعني تفعيل مؤسسات التجارة الحكومية إلغاء دور القطاع الخاص أو إغفاله، بل لا بد من إيجاد السبل لكسب القطاع الخاص التجاري إلى جانب الإجراءات الحكومية الجديدة، والمحافظة على دوره في السوق وخاصة في مجال تجارة التجزئة.

4-  إيجاد التوازن ما بين التخطيط والسوق، فبعد أن تبين فشل اقتصاد السوق المنفلت والدور الذي لعبه في تهيئة مناخ الحركات الاحتجاجية التي فتحت الأبواب أمام التدخل الخارجي، وبعد أن تبين أن الدولة غير قادرة وحدها على تحقيق التنمية والقيام بدور المحتكر للنشاط الاقتصادي، فإن الطريق الأفضل هو التلاحم والتنسيق ما بين دور الدولة ودور القطاع الخاص.

5-  يستلزم النهج الاقتصادي العقلاني الجديد إعلاء شأن العمل المنتج، والعودة إلى إيجاد الأسس اللازمة لإصلاح القطاع العام الصناعي وتطويره إلى جانب الوقوف على معوقات القطاع الصناعي الخاص، والعمل على إزالتها وتنسيق الجهود ما بين القطاعين العام والخاص من أجل تحقيق نهضة صناعية حقيقية تفتح مجالات العمل من جديد للعناصر الشابة.

6-  العمل على تحقيق الأمن الإنساني، بفروعه المختلفة وخاصة الأمن الغذائي، بما في ذلك التركيز على الإنتاج الوطني من الأغذية وتحسين أداء الخدمات بما فيها مياه الشرب والكهرباء والوقود المنزلي.

7- وضع الأسس اللازمة لتحقيق العدالة الاجتماعية واستخدام السياسات الاقتصادية والمالية لهذا الغرض.

8-  جعل هدف مكافحة الفساد والقضاء على مظاهره من القضايا الملحة والدائمة.

9- إحداث هيئة عامة لإعادة إعمار البنى التحتية ومراعاة المتطلبات الاقتصادية والعملية من جهة، ومتطلبات الأمن القومي من جهة ثانية، ويجب أن تتمتع هذه الهيئة بكامل الصلاحيات بعيداً عن الروتين والبيروقراطية أو ترتبط برئاسة الجمهورية.

أخيراً: إذا كنا لا نقبل العِبَر والدروس من الشعوب الأخرى، فإن الأحرى أن نتعلم من تجربتنا الخاصة، ولعل أهم ما يمكن استخلاصه هو أن هدف أية سياسات اقتصادية يجب أن يكون (الخبز والكرامة والعدالة الاجتماعية)، ولعلنا لا نبالغ عندما نقول إن ذلك يتحقق فقط، عندما تسود علاقات المشاركة والقبول بالآخر وإعادة الثقة إلى المجتمع وبين المجتمع والدولة من خلال عقد اجتماعي جديد أساسه الانتماء والمواطنة والعلمانية والعيش والمشترك وسيادة القانون والدولة المدنية وتداول السلطة.

تبقى هناك ملاحظات ختامية نرد فيها على من (يضخم مسألة التمويل) ويعطيها أولوية بهدف إعادة إنتاج السياسات الاقتصادية الليبرالية، وإعادة ربط الاقتصاد السوري بأجندات وبرامج المؤسسات الدولية والاتحاد الأوربي.

ومع اعترافنا بأهمية هذه المسألة وتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار وإعادة دورات الأنشطة الاقتصادية المختلفة، إلا أننا (يجب) أن نرفض أن تكون هذه المسألة عائقاً أمام البرنامج الوطني لإعادة الإعمار وإعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى مستواها المطلوب.

والحل الذي نراه هو التأكيد على استقلال القرار الاقتصادي الداعم للقرار السيادي ولسورية أصدقاء كثر، كما أن سوق الاستثمار العالمي واسع ومتعدد الانتماءات، فضلاً عما لدينا من موارد بشرية وطبيعية (مكتشفة، وغير مكتشفة حتى الآن في البر والبحر) يمكن عن طريق سلامة السياسات ونزاهة المشرفين عليها، أن تضمن الموارد المالية اللازمة للنهوض الاقتصادي التنموي في مرحة ما بعد الأحداث.

ونشير هنا بوجه خاص إلى إعادة الأموال التي تم تهريبها إلى الخارج، وإلى أموال المغتربين، وإلى القروض الميسرة التي يمكن الحصول عليها من الدول الصديقة وإلى بنوك الاستثمار في كل من دول منظمة (شنغهاي) ودول (بريكس) ونؤكد أن لا يقنعنا أحد بأن مسألة التمويل ستكون عائقاً أمام النهوض الجديدة في سورية. وأن نبتعد نهائياً عن فكرة الاقتراض الذي سيقودنا عملياً للرضوخ إلى السياسات الاقتصادية الليبرالية التي ستقودنا حتماً إلى التبعية.

خاتمة:

 إن حل المسألة الاقتصادية وطنياً، لا يأتي إلا من خلال حل سياسي، أساسه قرار سيادي مستقل ووطني. بمعنى أن يعبر عن إرادة وطنية مستقلة. تعمل على جلاء جميع الجيوش والفصائل الأجنبية المسلحة من جميع أراضي الجمهورية العربية السورية.

العدد 898 - 12/2/2020