مضارع مجرور

مرح محمد نبيل السمكري: 

يُغريني التاريخ، يجذبني كظمآنٍ للماء، أسافر برفقته عبر الزمن، أجالس الأمراء والعظماء، وأعيش في بيوت الأنبياء والأساطير وبين عوائلهم، والبلد التي أحلم في زيارتها هي إسبانيا، ليس إلاّ لألمس جدران الأندلس، وأخطو فوق مدعس عبد الرحمن الداخل، ومحمد بن أبي عامر ويوسف بن تاشفين وأبو يوسف يعقوب وغيرهم.

 إن عشق الأندلس كاللعنة، تلبس أيّ شخص يقرأ عنها، لا تفارقه ولا تغادر أحلامه، لكن لطالما طالني نقدٌ من هذا الشغف التاريخي بأسئلة ساخرة من نوع (ما الفائدة من قراءة التاريخ! وأين هي الأمجاد التي تتغني بها؟)

لم أكن يوماً من الذين يفتخرون بماضيهم، بغضِّ النظر عن مُضارعهم المُخزي، وأرى في التكتّف والافتخار بأمجاد الأولين ضرباً من السذاجة، والبكاء على أنقاض حضارة مُحطّمة ليس إلاّ فراغاً عقلياً وقلّة حيلة، وحاشى أن أقبل أنا بقلّة الحيلة.

ما فائدة قراءة التاريخ إذاً؟

عندما أنزل الله القرآن للمسلمين، جاء مُقسّماً على ثلاثة أثلاث، الأوّل للتوحيد، والثّاني للتشريع، والثّالث للقصص.

 وفي الإنجيل أيضاً، بدأ الإصحاح الأول بسفر التكوين الذي يحكي قصة بدء الخلق وآدم وحواء، إذاً حتى الكتب المقدّسة تحكي التاريخ والقصص لأتباعها، وذلك يؤكّد على أهمية معرفة مناهج سير الأقدمين للأسباب التالية:

 أولاً – إن التاريخ هو مرآة للحاضر، شئنا أو أبينا، مرآة نرى من خلالها الأسباب والأحداث والنتائج، فإذا تشابهت أسبابنا وأحداثنا علينا دراية النتائج، وذلك ليس بتكهّنٍ ولا تنجيم، ولكن لأن للحياة قواعد ثابتة لا تتغيّر ولا تتبدّل مهما اختلفت الأزمنة، فكل خيانة تؤدي للسقوط، وكل تشتت يؤدي للهلاك، وكل تفرّق يؤدي إلى الضياع، وكل تعلّق بالمال والسطوة يوّلد الخزي، وبالمقابل كل شجاعة توّلد عِزّة، وكل توّحدّ يوّلد قوة، هذه القواعد لن تتغير إلى آخر لحظة في هذا الكوكب، وسأسرد قصة سريعة من القصص التي تستدعي الدهشة من الطفولة العقلية لأصحابها، وأرى فيها تشابهاً مع حاضرنا ( في عصر الموحدين في الأندلس، وفي فترة حكم محمد بن أبو يوسف يعقوب الذي لقب نفسه بالناصر من دون أن ينتصر في أيّ شيء، وقعت معركة تُسمّى(العقاب) بين المسلمين والنصارى، وكان الجيش مقسمٌ لقسم أيمن وقسم أيسر وقسم في المنتصف وقسم في الخلف يقف فيه(الناصر) ليرى كل أحداث المعركة، القسم الأوسط لجيش المسلمين كان مزيجاً من العرب والبربر، والمفاجأة كانت وقوع خلاف بينهم في وقت المعركة ممّا جعلهم يتركون العدو ويركّزون في القتال فيما بينهم، حتى دخل النصارى لقلب الجيش ففتكوا به فتكاً وكانت هذه المعركة الأولى التي يفوز فيها النصارى من بداية فتح طارق بن زياد للأندلس إلى ذلك اليوم) طبعاً لا يوجد عقل يستوعب ما حدث، إلاّ أن التدقيق في الحادثة يجعلك ترى تشابهاً حدّ التطابق بين أحداثنا وأحداثهم.

ثانياً- هو معرفة الجدل السّياسيّ والدّيني عبر مرّ العصور، لأن ما يحدث اليوم هو امتداد لأحداث الماضي التاريخية.

 قبل أيام قليلة وقف دونالد ترامب وقال (يجب على المسلمين دفع ثمن الخطأ الذي ارتكبوه عام 1948، لأنهم اختاروا الهجوم بدل الاعتراف)، ذلك أنه يعتقد أن فلسطين من حق اليهود.

 لذلك لا بدّ لك أن تعرف التاريخ مُفصّلاً لتعريف كل ذي حق وكل ذي طمع.

ثالثاً- التعرّف على القدوات العظيمة التي يُحتذى بها.

رابعاً- لتعرف الاستراتيجيات المُتّبعة في علم السياسة والاقتصاد، أضف لذلك كله، لا يمكن أن تعيش كإنسانً واعً من دون أن تعرف من أنت، وما ماضيك، ومن هم أجدادك، وماذا حصل معهم، وإلاّ ستكون شخصاً تافه لا قيمة له.

انطلاقاً من معرفتك لتاريخك جيداً، تبدأ رحلتك في عالم التطور والحداثة، ورحلتك في عالم التفكير والمنطق، لتعرف كيف تبدأ الأفكار، وكيف تنهض الأمم، وكيف تسقط أخرى، لتعرف كيف تبني ذاتاً ومجتمعاً فعّالاّ على أسس صحيحة.

 لتجعل مضارعك منصوب فخور، لا مجروراً ومهزوم.

العدد 906 - 08/4/2020