فيروز.. وطننا المقيم في مواسم الهجرة

طلال الامام:
عشنا في عصر فيروز !
(مرحبًا ياصباح) على هذا البرنامج الذي كانت تبثه إذاعة دمشق يوميا مع أغاني السيدة فيروز فقط، كانت سورية كلها تستيقظ بمدنها وأريافها، بشيبها وشبابها، رجالها ونسائها بل وأطفالها.
مازلت اذكر كيف كنت اذهب لفرن الحارة لشراء الخبز قبل الذهاب للمدرسة  وأغاني فيروز تتسلل من النوافذ والأبواب ويدندن بها الناس.

يمكن القول أن أطفال سورية يرضعون أغاني فيروز مع حليب أمهاتهم، لذلك يعشقون أغانيها .
في أواخر ستينات القرن الماضي كنت ضمن مجموعة من الشباب أطلقت على نفسها مجموعة (عشاق فيروز).

كنا نلتقي كل يوم خميس نستمع إلى إحدى مسرحيات فيروز أو بعض أغانيها، ثم يدور نقاش حول أفكار المسرحية.
خلال أيام الأسبوع ونحن نتجول في شارع الدبلان (حمص) القريب من مدارس البنات نردد أغانيها التي تتحدث عن الحب والجمال .
كم تجولنا في شوارع المدينة ليلًاً ونحن نغني سهرة حب أو قصيدة حب (سوا ربينا) أو (ياريت) رحلاتنا تبدأ وتنتهي بأغانيها.
مع بدء الاهتمام بالشأن العام صرنا نستمع لفيروز بآذان أخرى: نحنا ودياب الغابات ربينا، يعيش يعيش، ناطورة المفاتيح، ناس من ورق، المحطة، يا قدس وغيرها . إزداد تعلقنا بها لأنها  من خلال أعمالها نصاً وموضوعاً وتوقيتاً والحاناً وجمالاً، كانت تعبر عن الكثير من طموحاتنا، آمالنا وأحلامنا.
تمر السنين ويبدأ الترحال للدراسة، للعمل ثم للاستقرار….كانت الزوادة في كل رحلة حقيبة وبضعة كاسيتات لفيروز.

أشرطة جالت معي أكثر من بلد ومدينة وما زلت احتفظ بها . فيروز رفيقتنا في العشق، في السهر قرب البحر أو في الجبل، في السيارة أو المقهى، رفيقة أفراحنا وأحزاننا، إنها جزء أساسي من وعينا وحياتنا، رُب من يتساءل لماذا تحتل فيروز أفئدتنا وعقولنا بهذا الشكل ؟ هل لأن صوتها ملائكي؟  أم لأن كلماتها تعبر عن أحاسيس الناس وأوجاعهم و عن أملهم؟ هل لأن الموسيقى يؤلفها عباقرة؟من الصعب جدًا الإجابة، الحقيقة الوحيدة أنها جزء من حياتنا، جزء من تاريخنا بحلوه ومره، حملنا عشقنا لفيروز إلى غربتنا.

تبدأ الصباحات بأغانيها كالعادة، حتى الذين غادروا أوطانهم منذ عشرات السنين تدمع أعينهم لدى سماعهم فيروز لأنها تذكرهم بوطنهم الأول.

في كل اُمسية يقيمها المغتربون في وطن الاغتراب تكون فيروز حاضرة، في غالبية المدن التي يتواجد فيها سوريون أو لبنانيون تجد حتمًا مطعماً أو مقهى باسم فيروز، ربما من إحدى فضائل فيروز أن أغانيها عابرة للأديان، للطوائف وللقوميات .

أحبها اليساريون أكثر كونها تُغني للبسطاء والأمل ضد الظلم والفقر وللوطن وقضاياه.
ندعو لمن يُلون صباحاتنا وأيامنا بالعمر المديد، كم نفخر أننا عشنا في عصر (أم زياد)

العدد 898 - 12/2/2020