لا لتصفية القضية الفلسطينية

صفوان داؤد:

(المسـار الذي أدى إلى تصريـح بلفـور، كونه غير قابل للتحقق ومليئ بالتناقضات والخدع، التبريرات الخاطئة، والرغبات غير الواقعية، زرع أنياب التنين… فأنتج حصاداً إجرامياً، ونحن نواصل الحصاد حتى هذا اليوم). هذا ماقاله المفكر والمؤرخ الأميركي جوناثان سكنير عن السياق التاريخي للقضية الفلسطينية والتي لم تزل تشكل نزيفاً مستمراً  وتمثل الصفقة المشبوهة أو ما باتت تعرف بـ(صفقة القرن) التي أعلنها كل من الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) ورئيس الوزراء الاسرائيلي (بنيامين نتنياهو)  فصلاً جديداً و خطيراً لإعادة صياغة أوضاع منطقة الشرق الأوسط، لصالح تعزيز الهيمنة الاسرائيلية على قضايا الشرق الأوسط اسوّة بتركيا وإيران. ويزعم الأميركيون أن تطبيق بنود هذه الصفقة ستشكل الحل الأمثل لنهاية الصراع الفسلطيني الاسرائيلي.

والحقيقة أن صفقة القرن لم تاتِ من الأمس بل بدأت بتوقيع اتفافة اوسلو عام 1994 التي وللأسف تمت بموافقة فلسطينية وعربية، وتكاد لاتخلو فقرة من بنود (صفقة القرن) إلا ولها اصول في  بنود (اتفاقية أوسلو).

وتتمحور هذه الصفقة على معادلة توفير الأمن للإسرائيليين وتحسين نوعية الحياة للفلسطينيين أو بشكل أكثر (صراحة) مقايضة حقوق ثابتة ومحقة بالمطلق مقابل مشاريع اقتصادية بقيمة 50 مليار دولار وضم أراضٍ من صحراء النقب للدولة الفلسطينية!.

فهل هذا مقبول وممكن؟

في الواقع ومن غير المنطقي اطلاقاً تمرير تسوية سياسية لصراع من أعقد وأطول الصراعات في التاريخ كالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني تقوم على التنكر التام لحقوق شعب مقابل المال.

شعب قدم للقضية الأكثر عدالة في تاريخنا المعاصر عشرات ألوف الشهداء وملايين النازحين.

لقد شكلت إدارة ترامب معيقات حقيقية لحل القضية الفلسطينية بشكل مقبول، وهي عملياً نسفت أي قدرة على ممارسة الوسيط الحيادي (بالحد الأدنى) حين قررت نقل السفارة الأمريكية إلى القدس مع الاعتراف بها عاصمة لدولة إسرائيل.

وهي استعجلت إبرام (صفقة القرن) مُنتهزة فرصة غرق العالم العربي في مشاكله التي لا تحصى، وتقدم التأثير الإيراني والتركي بشكل ملفت في المنطقة.

كما جاءت في وقت يتعرض فيه الرئيس الأميركي لإجراءات العزل بتهمة إساءة استغلال السلطة وعرقلة العدالة وحاجته إلى انجاز خارجي. ويتعلق الأمر نفسه بالنسبة لبنيامين نتناهو المطلوب لعدة قضايا قانونية تتعلق بالفساد وخيانة الأمانة.

وتفرض بنود الصفقة على الفلسطينين التخلي عن القدس، والتخلي عن غور الأردن كاملاً، ومناطق أخرى مما يعرف بمناطق (ج) التي تشكل ما مجموعه حوالي 30% من مساحة الضفة الغربية. والتخلي عن القرار 194 الذي ينص على حق العودة، والتخلي عن المطالبة بوقف الاستيطان، والتخلي عن السيادة الوطنية والقبول بسيادة مشروطة ودولة منزوعة السلاح.  وستؤدي هذه الصفقة في حال تنفيذها إلى تحول الكيان الفلسطيني إلى أرخبيل من الكنتونات المتصلة بجسور وأنفاق، ومفصول تماماً عن العمق الجغرافي العربي، فلا تُبقي لها حدودًا مع المملكة الأردنية وإنما كيان جغرافي مُحاط كليًّاً بإسرائيل.

كما تحمل بنود الصفقة إعلان خطير يتمثل بتسويق وقبول فكرة (الدولة اليهودية) كصفة قومية لإسرائيل ما يعني ضمناً إمكانية طرد السكان العرب فيما يسمى بمناطق ،1948 وستؤدي الزيادة السكانية لأهل الضفة الغربية مصحوبةً بمصادرة 30% من مساحتها إلى التمهيد مستقبلاً وفق المنظور الاسرائيلي إلى ضرورة (الوطن البديل)، وهنا ستكون الأردن هي المرشحة، ما سيدخل المنطقة في حروب وأزمات جديدة أكثر تعقيداً.

تستدعي خطورة هذه الصفقة، على القضية الفلسطينية وعلى الشرق الاوسط عموماً، أن يعيد الفرقاء الفلسطينيين حساباتهم، وفي مقدمتهم منظمة التحرير الفلسطينية، وأن تتخلى السلطة الفلسطينية عن أسلوبها النمطي في التعامل مع هذا الموضوع والمتمثل في التأكيد على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي لا تقدم ولا تؤخر، أو السعي عبر الجامعة العربية للادانة والرفض والذي بدوره أيضاً لامعنى له. لم تعد بيانات الشجب ذات معنى، فخطورة مخرجات هذه الصفقة تتطلب التغيير في كل من النهج والمنظور للعمل السياسي، وطرح مواقف عملية ملموسة.

خاصة وأن ثمة اختراق للموقف العربي تمثل بحضور ثلاثة سفراء لدول عربية هي الإمارات والبحرين وعُمان ضمن حفل إعلان الصفقة، أعقبها بعد ذلك بيانات مؤيدة ضمنيًّا لها صدرت عن مصر والسعودية. ولابد بدلاً من ذلك من أن تناقش السلطة الفلسطينية خطة سياسية واضحة المعالم، وتوظيف كل الطاقات والإمكانات الممكنة، وأن يكون لبقية الشركاء الفلسطينيين دور فاعل فيها، وتشكيل برنامج عمل نضالي واحد. يوظف جميع الطاقات الشعبية والرسمية للشعب الفلسطيني، على مختلف الأصعدة العربية والإقليمية والدولية.

الصراع في فلسطين ليس صراعاً بين سرديتين دينيتين، الإسلام واليهودية كما يحاول الإسلاميون المتشددين تسويقه، أو صراعاً قوميا بين العروبة والاسرائيلية كما تحاول النخب القومية التنظير لها، إنما هو صراع إنساني، وثقافي ووطني، هو صراع سيادة واستقلال وتحرير شعب محتل ضد محتل مدعوم من امبريالية كبرى. لذلك لا يمكن فقدان المل بأن القضية الفلسطينية ستبقى حية، طالما بقيت قضية محقة، ولن تنتهي إلا مع تحقيق الشعب الفلسطيني لأهدافه كاملة.

 

العدد 922 - 12/08/2020