النازيون الجدد رأسمالية التمويت

د. سنان علي ديب:

الفرق كبير بين عالم الأمس واليوم وإن كانت مقدمات الأمس نجم عنها مخرجات اليوم وصولاً إلى مرحلة لم تعد للإنسانية إلا مواقع صغيرة به في عالم عنوانه الربح بأيّ أسلوب وبأيّ طريقة، هذا الربح الذي من أجله افرغت منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، والغاية هي الربح مهما كان فلا يهم التلوث البيئي والتوازن الطبيعي العالمي ولا يهم نشر الأمراض الفتاكة المستعصية والفيروسات المستخدمة في أسلحة إبادة ولا أي مبالاة لافتعال الحروب والكوارث والفواجع، والتي نجم وينجم عنها الملايين من القتلى ومشوهي الحروب، وكيف وبنظر هؤلاء القوادين من القادة العالميين أن الأغلبية فائض سكاني يجب التخلص منه، ولا مانع من تفريغ الآداب والفنون والرياضة من محتواها الإنساني الإبداعي طالما مخرجاتها تفرغ الإنسان من إنسانيته ومناعته ومقاومته لأي مواجهة للمشروع الربحي (المعولم المؤمرك) والذي طغى على مخرجات الثورات الإنسانية والتي طالما صدحت بالحرية والديمقراطية والعدالة الإنسانية لتصبح الدول الناشرة والراعية لهذه المطالب أذناب

همها مراضاة القواد الجدد المتجددين الذين برعوا في جعل العالم قرية صغيرة فاقدة للهويات الوطنية وطاردة للثقافات الإنسانية المبدعة فممنوع المنافسة الإبداعية البناءة،  فالرياضة تجارة والفن تجارة والسينما والدراما تجارة أهم سلعها الإباحية والقتل والعنف والإلحاد والخيال الذي لا يكرس عقلانية مطورة للواقع وللإنسانية.

للأسف تأليه المال والربح بأي شكل عرى إدعاء هؤلاء واثبت انهم مستمرون على النهب والسلب والسرقة والقتل وكل أبواقهم الضاجة بالإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان لم تكن إلا كذبة للوصول للقيادة المنفردة عبر شخوص نازية تعتمد النظام الشبكي الافقي والعمودي لا تعترف بوطن أو هوية أو إنسانية إلا لخدمة المال والسهر على صونه وتنفيذ

قرارات المعولم الجديد. ليكون لهؤلاء القائدين الجدد أدوات معولمة هدفها تقويض الاستقلال وقتل الدور المؤسساتي، وفرض نماذج اقتصادية اجتماعية مهشمة لبلدانها وتجعلها دمية بأيدي عابدي المال العالمي.

ولولا هذه الأدوات لم يستطع الناذيين الجدد من فرض رؤاهم ولا من اللعب بدواخل العالم كله، الناذيون الأذناب والذين لا ينفذوا إلا ما يؤمروا به من أجندات تدمر وتقتل وتسلب السيادة والهوية وهم أدوات الإرهاب الإقتصادي السائد من منع التنمية المستقلة المتوازنة ومنع التحصينات الوطنية ومنع تقوية مؤسسات الدول وما نراه من أزمات مفتعلة ومضاربات على اللسيادة من عملات وعرقلة إدارة الحكومة للملفات الإقتصادية ومنع التعيينات الصحيحة وعرقلة أي إصلاح إلا عبر دواعشهم الصغيرة.

كانت النازية حركة يمكن رصدها ومواجهتها وتحالفت قوى كبرى لتقويضها بحجة العالم الإنساني والعدالة العالمية وليتطور السياق العالمي للوصول إلى عالم القوة اساس للحكم والكل عبد للقوة الخفية الظاهرة بأوامر مصطفوا تطور الرأسمال البعيد عن أي إنسانية.

العودة للعبودية ولكن بشكل أكبر وبأساليب أكثر وحشية هي ما أصطفاه التطور التاريخي للجشع الرأسمالي الإمبريالي هذا الجشع الذي لم يتوان عن تدمير كل سبل التصدي والمواجهة بتشويه التعاليم الروحانية وحرفها عن سياقها المتبنى تاريخيا والافكار البناءة الموحدة الجامعة وتشظية الاحزاب والقوميات والمذاهب وحتى تشظية الإنسان ليكون أصغر من حالة فردية.

النازية الجديدة صحرت الافكار وجففت منابع البناء الإنساني وقوضت مفاعيل المؤسسات العالمية لخدمة المعبود الجديد وليس إلا المال وفق معادلة غير قابلة للتنفيذ لا يمكن عبادة الآلهة والمال سوية وليتضح أن الدهاء اللا إنساني للنازيين الجدد قد نجح بتهشيم وتحطيم مختلف البناء الإنساني ليكون العنوان والسيد وليكون المال الاب والأم ووو السيد.

التنظير لليبرالية والتي أول من رفض تنفيذها هم الدول الراعية لتطبيقها كانت الجسر للوصول لقيادة هؤلاء النازيين والذين يعلموا أن العالم بأجمله يتآذى من مبادئهم وسلوكهم وتصرفاتهم وهم على يقين بأنه طالما مبدأ فرق تسد وأضرب الكل بالكل سيستمروا، وبأنه من دون مواجهة عالمية موازية بالسلاح والاقتصاد فالفشل عنوان طويل لأي مواجهة.

استعباد العالم بالمال الملوث اللا إنساني هو الطاغي وإن استمر زمن أطول فالضحايا اضعاف.

لا يحق للعالم المتخاذل أن يتكلم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان طالما هم فضلوا عليه الحيوان.

كورونا وأمثاله مثل ولكل دولة وحيز مجتمعي أداة لتقويضه وترويضه لعبدة المال دعاة الليبرالية وأدواتهم ومن دون تنظيف الدواخل الوطنية من أذنابهم سيبقى الأمل بعيد ووقت بزوغ الفجر طويل.

العدد 921 - 29/07/2020