زواج رأس ماله وسامة وشهادة

وعد حسون نصر:

نعم، الكثير منّا يبحث لابنه الطبيب أو المحامي أو المهندس صاحب الشهادة والمال عن فتاة صغيرة جميلة حتى لو لم تكن متعلّمة أو تحوز شهادة دراسية موازية، المهم أنها صغير وجميلة تحت مصطلح ابننا لديه شهادة وصاحب مكانة ولديه بيت وراتب وسيارة وبإمكانه أن يجعلها تعيش معه أحلى عيشة، متجاهلين فرق العمر والثقافة وطريقة التعايش مع الحياة الزوجية، المهم أن لدى غالبيتنا فكرة مُسبقة عن المال والمكانة الاجتماعية/ العلمية التي تعلو فوق كل الظروف التي تجعل الإنسان يعيش بكرامة واحترام. لكن الواقع عكس هذا الشيء تماماً، فلا يمكن لزواج قائم على مصلحة ما أن يُكلّل بأسرة سعيدة، وبالتالي سوف يكون زواج وواجهة لمجتمع مخملي باطنه بارد لا حياة فيه. كما أن مستقبل الأطفال فيه سيكون غامضاً كغموض علاقة الأبوين، فاتر بعيد عن الحياة الأسرية الطبيعية لأن الأب دائماً في عمله، والأم مجرد دمية جميلة في المنزل عليها أن تكون كل يوم في حلّة جديدة وشعر ملون لا يشبه سابقه، وهي صلة الوصل بين الأبناء والأب لتلبية طلباتهم وإقناع الوالد بتلبية تلك الطلبات. وهنا تصبح الحياة مرتبطة بمدى تحقيق المطالب، كما أن طاولة الطعام لا تتعدى أن تكون زينة بالمنزل يجتمع عليها الجميع لتناول طعامهم فقط دون أي ضحكة مشتركة، والحفلات العائلية هي لنقل صورة للمجتمع أنّنا عائلة جملية ومحبة لساعات نرتدي فيها أجمل المجوهرات ونلبس أفخم الملابس ونتصور جمعياً لصورة عائلية نُعلّقها على جدار بارد مثل برودة مشاعرنا، وبعد انتهاء كل شيء نخلد إلى أسرتنا وكأننا أغراب، لا الأب يدري ما خلف جدران غرفته عن أولاده سوى ما تنقل الأم أفضل ما لديها عنهم له، ولا الأم تعلم ما يفعل زوجها وما هي الطريقة التي أوصلهم بها لهذه المكانة، ولا الأولاد يعملون شيء عن علاقة الأبوين الأشبه بالأموات على سرير ماتت عليه المشاعر بعد أول شهادة عُلِقت على جدار المجد. والكلام نفسه ينطبق على الشّاب الوسيم ذو العلم والنجاح الذي اختار لنفسه زوجة تكبره بالعمر مقابل المال والمكانة الراقية بالمجتمع المخملي، ربما هذا الكلام لا ينطبق على الجميع ولا يمكن تعميمه، لكن نسبة كبيرة ممّن اختار الزواج من غير بيئته أو مجتمعه أو دون توافق علمي/ اجتماعي كان زواجه أشبه بصفقة عمل اضطر معها للاستمرار خشية السقوط بنظر المجتمع. فلا أظن أن هناك مستقبل عامر بالحب للأولاد، ربما يكون لديهم كل شيء علم ومال ومكانة وعقار وسيارات ووظيفة مهمة لكنهم يفتقدون أهم أسس الروابط الأسرية والعلاقة الحميمية تحت كنف أم وأب، وكلمة جميلة من فم أخ أو أخت. ليس كل ما في الحياة مال فما أجمل البساطة تجمعنا تحت سقف مُكلّل بالعطاء لنحيا أسرة بكل ما فيها من تناقضات حب، غضب وفكاهة أو بكاء، وآخر الليل نخلد للنوم ونحن نوّزع النكات ومن القهقهات نصنع أحلامنا بغد جديد.. هكذا تكون الأسرة الطبيعية والناجحة. دعونا نبتعد عن تحديد مستقبل أولادنا وعن رسم خطوط حياتهم وخاصةً في الزواج لأنهم هم من سيُعارك الحياة ويخوض حروبها، وبالتالي هم من سيُغلق الباب عليهم وحدهم ويذهب كلٌ منّا إلى غرفته أو بيته لتظهر حياتهم مع شريكهم الجديد على حقيقتها بعيداً عن ضجّة الجميع، أصواتهم هي وحدها تُحدّد مدى تقبلهم ورغبتهم لبعضهم البعض، ابتعدوا عن مصالحكم في زواج أبنائكم فالمصالح لا تدوم وعندما تسقط سوف تسقط معها قلوب أبنائكم، والمصيبة إذا كان هناك أحفاد، فما مصيرهم بعد لعب الكبار بمستقبلهم وقبله مستقبل أبويهم. لذلك أنا ضدّ هذا الزواج المُكلّل بصفقات تدمر معها نواة من المجتمع مهما كانت صغيرة تبقى الخلية التي لا يمكن أن نتجاهلها بكل مكوناتها. لذلك صديقتي الفتاة مكانة زوجك في المجتمع تصنعينها أنت وهو معاً بالحب والتكامل وليس بجاهه وماله وجمالك. كذلك أنت أيها الشاب الوسيم مستقبلك ووظيفتك الراقية أنت من يصنعها لا سيدة طاعنة في السن تمتلك المال الذي اشترت به وسامتك وشهادتك، لذا أطفالكم أمانة ابتعدوا بهم عن مصالح المجتمع وعيشوا معهم الحب والخوف من الزمن فلا يقوى على الدهر إلاّ الحب والأسرة المُكلّلة بعطف الأبوين.

العدد 898 - 12/2/2020