نتائج غير مرغوبة لمقدِّمات غير متناسبة

إيناس ونوس:

اندلعت شرارة الحب بينهما من النَّظرة الأولى.. فكلٌّ منهما كان يلعق جراح علاقته السَّابقة منتظراً بلا وعيه عمَّن يعيد الدِّفء لروحه، ويجدِّد تدفُّق الدِّماء في عروقه..

تأجَّجت مشاعرهما، وأعلن كلٌّ منهما للآخر عمَّا يعتمل بداخله، وبدأت رحلة التَّخطيط للحياة المستقبلية المشتركة.

صفاته، ثقافته، ووعيه المُنفتح أبعدوا عن تفكيرها فارقاً واحداً، وجدته غير مهمٍّ طالما أنَّ هذا الحبيب يمتلك من الخصال الأخرى التي توافقت معها ما هو أكثر عمقاً، فبرغم تفوُّقها بتحصيلها العلمي وامتلاكها شهادةً جامعيةً لم يمتلكها، لم يتوقف أيٌّ منهما عند هذا الموضوع، فهو يرى في الآخر ما يُكمِّل نواقصه ويُعزِّز وجوده.

بدأت رحلتهما المشتركة، وأسَّسا لبيتهما وأسرتهما، وكانا نموذجاً رائعاً للمحيطين بهما، إلى أن بدأت بوادر الخلافات تظهر بينهما على أتفه الأمور، وكانت نقطة تحوُّلٍ في نظرة المحيطين لهما، ولم يدرك أحدٌ السَّبب الحقيقي الكامن وراءها.

دخلا في مرحلة لوم الذَّات وتأنيب الضَّمير، وبدأ كلٌّ منهما يُجاهر بوجهة نظره، فتبيَّن الخيط الواهي المُسبِّب لهذه النَّتيجة..

هي… بدأت تُعيد النَّظر بعلاقتها به، وتفصح عن أهمِّ سببٍ دفعها للارتباط به، فقد كانت تخشى بعد فقدانها لعلاقتها الأولى من عدم إيجاد زوج المستقبل، ومن نظرة المجتمع المحيط بها، ومن فكرة أنَّها ربَّما تبقى(عانساً) طوال حياتها..

هو… صار يتأفَّف من كل تصرُّفٍ تتصرَّفه ويرجعه لأنها تمتلك شهادةً أعلى منه، وبالتَّالي يرى فيها الشَّخص المُتعالي المُتكبِّر، ويرى نفسه صغيراً أمامها، وكلُّ ما يمتلكه من وعيٍ وثقافةٍ وكاريزما لا يعني شيئاً مقابل تفوُّقها عليه علمياً، وأنَّه لجأ بلا وعيه إليها انتقاماً لذكوريته من علاقته السَّابقة، ويريد أن يثبت للآخرين أنَّه يستحقُّ أن تحبَّه فتاةٌ أعلى منه بالمستوى العلمي، وأنه أكثر وعياً من أن يقف عند هكذا موضوع..

إن مسألة الارتباط بين الرَّجل والمرأة مسألةٌ في غاية التَّعقيد بقدر ما هي في غاية البساطة، غير أن نظرة الشَّخص لذاته أولاً، وللآخر ثانياً، ومن ثمَّ نظرة المجتمع برمته تجعل من هذه العلاقة أمراً شائكاً، يحتاج للكثير من إعادة التَّفكير والوقوف عند بعض التَّفاصيل والتي برغم صغرها، تُعتبر مفصليةً في هذه العلاقة.

خوف الفتاة من العنوسة، شعورها بالدُّونية إن كانت لا تمتلك أبسط مقاييس الجمال المتعارف عليها اجتماعياً، وعدم امتلاك الشَّاب للثِّقة بإمكانياته وبشخصيته والتي تنعكس بدورها بشعوره بالدُّونية تجاه أصحاب المستوى التَّعليمي الأعلى، ومن ثم برغبته بفرض سيطرته الذُّكورية التي منحه إيَّاها المجتمع ورفضه لمن تنافسه على قيادة المركب، كلُّها أسبابٌ كامنةٌ في أعماق كلٍّ منهما تجعله يلهث وراء الزَّواج بمرحلةٍ من مراحل حياته، ومن ثمَّ وبعد أن تهدأ موجة العواطف وانفعال المشاعر، تأتي مرحلة النَّدم والأسف…

لا يمكن لنا أن نطلق وجهة نظرٍ واحدةٍ ونعمِّمها على الجميع، فكلُّ زوجين لهما رأيهما الخاص بهما والذي تحدِّده تفاصيل علاقتهما التي لا يعرفها أحدٌ غيرهما، إلاّ أنَّ غالبية التَّجارب المحيطة باتت شبه مؤكِّدةً على عدم صلاحية الزَّواج غير المتكافئ من النَّاحية الدِّراسية والتَّعليمية، وهذا ما يقف عائقاً بين الأهل الذين مرُّوا بمثل هذه التَّجارب، وبين أولادهم الذين يريدون خرق المفاهيم الاجتماعية التَّقليدية، غير متسلِّحين بتجارب تجعلهم يؤكِّدون صحة أفكارهم من عدمها. وسنبقى ندور في دوَّامة التَّفكير بهذا الموضوع، فمن جانبٍ، وانطلاقاً من كوننا أهل نتمنَّى ألَّا يعيش أبناؤنا ما عشناه سابقاً وألا يكرِّروا التَّاريخ ذاته، ومن جانبٍ آخر نتمنَّى أن نمتلك جميعنا مزيداً من الوعي بأن الزَّواج يجب أن يقوم على العديد من النَّواحي الأخرى والتي تُعدُّ أكثر أهميَّةً من التَّحصيل العلمي بحدِّ ذاته، لأنَّه لا يُعدُّ المعيار الأساسي لقياس درجة وعي الشَّخص(رجلاً كان أو امرأة)، ولا يمكن للشَّهادات الجامعية أن تمنح الإنسان مدارك منفتحةً على الحياة إن لم يمتلك هو ذاته شخصيةً قابلة لهذا الانفتاح..

ما يجب التَّفكير به، هو نظرة الشَّخص لذاته، شابَّاً أو فتاة، فالعنوسة لم تعد تعتبر معيار نقصٍ أو دونيةٍ اجتماعية، ولا الشَّكل الخارجي يُشكِّل عاملاً مهمَّاً إلاّ عند الأشخاص الفارغين، ولا الشَّهادات بإمكانها أن تصنع إنساناً، ما يصنع الإنسان هو نفسه، ثقافته، وعيه، انفتاحه على الآخر وعلى الحياة بأشكالها المختلفة والمُتجدِّدة، ورغبته بإزالة العراقيل من أمام تطوُّره ونجاحه في مختلف مفاصل حياته، ما يكوِّن ثقته بنفسه ويزيدها يوماً بعد يوم.

العدد 898 - 12/2/2020