عريس وعروس..

غزل حسين المصطفى:

تزوجت الجميلة الوحش، ولم يكترث الأمير بفقر سندريلا، كما أنجب كلّ من تزوج من أبطالنا الأسطوريين ولم يواجهوا العقم أو غيره من المُنغصات، وبدت قصصهم غاية في الرّومنسيّة والانسجام.

لكنّ الواقع في القصة الّتي ستكون محور حديثي كانت نهايتها السّعيدة للطرفين هي(الطّلاق).

لم تكن حالة غرامية غير مسبوقة ما جمعهما، إلاّ أن الحب كان ركناً حاضراً، غير أنّ جمالها وصغر سنّها كانا حجر الأساس الأوّل الذي شدَّه إليها حتّى يُكملَ بها بناء(بريستيجه الاجتماعي) بوصفه يحوز مكانة علميّة رفيعة المستوى، وله اسم برّاق يُزين شاشات التّلفزة خلال استضافته، بينما لم تتمكّن هي إلاّ من شهادة الثانوية العامة والتي صدرت نتائجها حين كانت تعيش أيام حملها الأول.

لم تمضِ أيام عسلهما البسيطة إلاّ وقد جاءت وجاهات كلا العائلتين لفضِّ الخلافات، ورغم هذا، بقيت المحاولات مستمرة مدة 6 سنوات أثمرت طفلتين لا ذنب لهما من لياليهما الطويلة في سماع مناوشات والديهما وحقيبة والدتهما المُجهزة لأيّ حالة استنكاف عند ذويها.

وكان الطلاق هو الحل، لم تستطع رؤيته يزداد علواً في المجتمع وهي تُكرّس نفسها للبيت، لم تستطع تقبّل الحشود المُحيطة به وما أحاط بها إلاّ جدران المنزل، لم تستطع أن تُطفئ شمعة عمرها العشرين وكلتا اليدين مُمسك بطفلة وأقرانها يمسكون كراسي الأحلام الجامعيّة.

حالة عدم التكافؤ العلمي والعمري خلقت فجوة كبرى سقطت فيها أركان هذا المنزل ليغدو من بعدها عبارة عن مكان غير قابل للعيش، وبيئة لا تصلح لمجابهة الحياة.

قد تكون هذه الأنثى حالة نادرة، إذ استطاعت أن توقف سير القطار وتنتقل لمحطة أخرى ربما لن تناسبها بالمطلق خصوصاً في ظلّ نظرة المجتمع الدونية لها كمُطلّقة، خطوة جريئة قد تُعتبر ولكنّها عادت لروحها من جديد.

هل وقفت الحكاية هنا؟

لا الحكاية أطول من ذلك بكثير، إذ يعُجّ مجتمعنا بمثل هذه الحالات ولكن قد لا تنتهي بالطلاق دائماً، ولا ترتبط فقط بزوج مُتعلّم وزوجة قُطفت حديثاً من بُستان طفولتها. قد تُقلب الأدوار، وتبقى العائلة مُعلّقة بحبال هوائيّة كاذبة(وهذا ليس حكم مطلق) ويكتشف أحد الطرفين الذي غُلب على أمره نتيجة هذا الزّواج أنه الشّمعة الّتي أدركت مؤخراً أنها احتضنت طويلاً الخيط الذي أهلكها.

وتبدأ رحلة البحث عن شمّاعة نُعلّق عليها هذا الزّواج، والخاسر الوحيد، إن لم يكن الأبوين على قدر عالٍ من المعرفة والثّقافة، هم الأطفال.

فإن لم تُقطع أوصالهم في الذّهاب والإيّاب ما بين والديهما المُنفصلين، ستُشوّه ذاكرتهم بأصوات البكاء وحالة الذّعر التي عاشوها، وهنا ستكون كل خلية منهم قابلة لاستقبال الأمراض المجتمعيّة، إذ سيتلقفهم الطريق بمغرياتٍ جمّة تُعوّضهم عطش الحنان ودفء العائلة.

سيّما أن المحكمة المجتمعيّة العُليا استصدرت دستوراً اجتماعياً قولبت فيه الحياة في مختلف مناحيها، فتسمح وبرحابة صدر بفعلٍ ما وتستنكر آخر بما يتناسب مع نظرتها وتقييمها، دون البتِّ بمعطيات كل حالة بمفردها، ولم تنظر مُطلقاً إلى الحالات السابقة في عملية إعادة صياغة القواعد الأسريّة والضّوابط المجتمعيّة والّتي كانت تدّعي حرصها كي تنقذ فيها الأنثى من صفة (عانس)، ولم يخطر على بال حكمتها أن تُلغي الصفة أساساً، ولم تتنازل سيادة المحكمة المجتمعية للأخذ بعين الاعتبار لقضية الآثار النفسية التي تنتج عن التطبيق الصّارم لأحكامها.
وهناك خلف كلّ شُبّاك ألف حكايةٍ تُروى، تُلجم تارةً ويبوح نزيف الجرح بكل الخبايا…

العدد 905 - 01/4/2020