هي الحرب

عباس حيروقة:  

هي الحرب، لم يسلم أحدٌ من شرّها، أتى لهيبها ولظاها، كما يقال، على الأخضر واليابس، وتضرّر منها كلّ مَنْ على أرض هذا الوطن العظيم من بشر وحجر وشجر.

حرب شعواء شُنّت علينا وشارك فيها شُذّاذُ الآفاق من عشرات الدول، وساهمَت بعض الدول الشقيقة والصديقة، أو مَن كانت شقيقة وصديقة في زمن ما، في ضخِّ الملايين، بل المليارات من الدولارات بهدف زعزعة استقرار شعبٍ آمن مسالم ومحبّ لله والناس والحياة، وقلب نظام حياتها وحكمها.

لن أدخل في أسباب ومسببات هذه الحرب القذرة ولا في تطورها الدراماتيكي السريع والمخيف، ولكن ما يمكنني التحدث به هو عن تلك الفئة أو الحفنة من الناس التي كانت الوجه الآخر القبيح للعدوان علينا على قوتنا وحريتنا وأمننا الداخلي، هذه الفئة التي كانت قبل الحرب في أو على حال لا تخفى على أحد من أهل المكان، فالجميع يعرفها ويدرك ما كانت عليه، ولكنها اليوم في حال لا يوصف من رخاء مادي وترف، من مال وجاه وسيادة، من مواكب سيارات وأرصدة وبنايات وعقارات ومشاريع و …الخ.

فئة مارست ما مارسته من أفعال منافية لكل القيم والقوانين والنظم الوضعية والإلهية لكل الشرائع السماوية، ساهمت في ترويع وتجويع أبناء جلدتها، أفسدت في الأرض وشكّلت بل أسست لثقافة لم تكن يوماً من مفردات المواطن السوري، ثقافة القتل والخطف والسلب والاغتصاب والاتجار بالناس بمشاعر الناس، بأرواح الناس.

ففي كل يوم نسمع ونعيش ونعايش حالات كهذه من خطف وسلب وقتل وفي وضح النهار.

نعم، إنها الحرب التي تسببت بحالة من الفلتان والانفلات والانحلال القيمي الأخلاقي الاجتماعي.

يُخطَف طبيب هنا ومهندس أو تاجر أو ابن تاجر أو امرأة هناك ليبدأ بعدها مسلسل الرعب والهلع والخوف عند أهل وأقارب وجيران الضحية بحلقاته المتتابعة، ويبدأ التفاوض من خلال اتصالات هاتفية ومن شبكة محلية وبأرقام معروفة ومكشوفة لكل من يرغب، وتُطلب الملايين بل عشرات الملايين، ويتم تحديد مكان الاستلام والتسليم دون أن يرف للجهة الخاطفة جفن خوف، ولا هي تحسب حساب جهات أمن وشرطة ودولة..وكأنها هي صاحبة الصوت الأعلى في بلاد المحبة والحنين سوريتنا..ويتم دفع المبالغ الكبيرة جداً مبالغ تم تجميعها من جيوب أناس قدّموا وضحّوا ليبقى الوطن معافى، لتدسّ في جيوب أناس لا انتماء لديهم سوى للخيانة.. للفوضى للمال.. للرذيلة.

ومن هنا تبدأ الأسئلة الكبرى.. أسئلة الوطن والشهداء والجرحى.. أسئلة المواطن السوري الصامد في وجه أعتى قوتين.. قوة الإرهاب والتكفير من جهة وقوة التجار والفجّار الذين يتاجرون بلقمة عيشنا ومشاعرنا ودمنا المسفوك على بوابات عهرهم.. أسئلة المواطن التي يطالب من خلالها أن يتم التعامل مع تلك الفئة بالطريقة ذاتها التي تم التعامل مع داعش وأخواتها من سحق ومحق وتدمير.

أسئلة المواطن الذي قدّم وما زال يقدم وسيبقى إلى أن يتعافى وطن المطر والعصافير والأغاني.. وطن الحب والانتصار للجمال وللخير وللمحبة للإنسانية جمعاء.

العدد 938 - 02/12/2020