الاقتصاد الحديث

د. عامر خربوطلي:

لم يعد علم الاقتصاد بمفاهيمه ونظرياته ومدارسه المختلفة علماً يعتمد بصورة أساسية على مواءمة الحاجات غير المحدودة مع الإمكانيات المتاحة، ولم يعد يركز على تحقيق التوازنات الاقتصادية رغم أهميتها، بل أصبح علماً يعتمد على أفكار مستجدة وتجارب اقتصادية متنوعة تتداخل فيها عناصر مستحدثة في عالم جديد يطلق عليه اليوم عالم الثورة الصناعية الرابعة. فمضاعف الاستثمار لم يعد المحدد الأساسي لمعدلات النمو الاقتصادي مع دخول عناصر التقانة وريادة الأعمال بشكل مستجد وأكبر من عنصر رأس المال وعوامل الإنتاج الأخرى التقليدية (الأرض- العمالة- التنظيم).

وهناك مجموعة من الاقتصاديين بدؤوا بخلط الأوراق بين المدارس النيوكلاسيكية والنيوكينزية لإنتاج نظريات اقتصادية حديثة تحاول تفسير الأزمات الاقتصادية العالمية المفاجئة وتفسير ازدواجية وجود التضخم مع الركود وتفسير عدم تحول الادخار إلى استثمارات، وعلاقة سعر الصرف بالتضخم، وعلاقة الطلب الكلي بالعرض الكلي.

وأصبح التساؤل هل عدم وجود التوازن الاقتصادي أفضل من تحقيقه؟ وما هو الثمن المطلوب لهذا التوازن؟ وهل الحفاظ على سعر صرف ثابت ومستقر أفضل أم أن التعويم هو الحل؟ وما هو الثمن في جميع الأحوال، وفي عالم أكثر انفتاحاً في التجارة الخارجية لم تعّد فيه الميزات المطلقة والنسبية وحتى التنافسية أمراً أساسياً لتحقيق اختراق النمو والوصول إلى حدود عالية من التنمية.

كما أن أسعار الفائدة لم تعد المحدد الأساسي لقرارات الادخار والاستثمار في ظل قوة المخاطر المستقبلية؟

لقد أكدت التجارب الاقتصادية لبلدان عديدة في العالم، تضاعف ناتجها المحلي بشكل سريع وهائل، وأدخلت تلك البلدان ضمن منظومة البلدان الصناعية المتطورة في فترة قصيرة من الزمن، أن الاقتصاد التقليدي لم يعد قادراً على مواكبة ما يحدث عالمياً، فالمعلومات أصبحت في متناول الجميع ولم تعد شيئاً نادراً ذا قيمة وأصبح استثمار المعلومة أهم من امتلاكها أصلاً.

وإلا كيف نفسر ما يحدث من تغير في ترتيب دول العالم اقتصادياً وبعضها لا يملك من المواد إلا القليل، ولا يملك من وفورات الحجم الكبير ما يجعل سلعها وخدماتها تغزو أسواق العالم بتنافسية عالية.

إنها التقانة والتكنولوجيا والذكاء الصناعي وريادة الأعمال التي جعلت من معادلة النمو تعتمد على عنصر عامل الاستغلال والكفاءة أكثر من رأس المال المستثمر. إنه الاقتصاد الدائري والاقتصاد المعرفي واقتصاد السعادة والثورة الصناعية الرابعة.

لقد أصبح التعليم وهو الاستثمار البشري أحد أهم مصادر تعزيز التنافس الدولي وبخاصة في مجتمع المعلومات، فقد أصبحت هذه المعلومات والمعرفة والاتصال والابتكار والرقمنة والبحث العلمي وصناعة المستقبل هي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي في الاقتصاد الجديد.

إن ارتقاء الدول اقتصادياً وعلمياً إنما يتوقف اليوم على مدى تطور التعليم في أربعة مجالات مترابطة يطلق عليها STEM وهي اختصار لكلمات علوم SCIENCE وتكنولوجيا TECHNILOGY وهندسة ENGINEERING ورياضيات MATHEMATICS وهذا ما يحدد نوعية بعض المدخلات الأساسية لتطوير رأس المال الفكري والموارد البشرية اللازمة للاقتصاد القائم على المعرفة. فالتعليم الحديث والمتميز هو الذي يسهم في إرساء دعائم الأنشطة الاقتصادية الخالقة للثروة وتطويرها بشكل مطرد، ويقصد بذلك تحديداً التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المواد وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والتكنولوجيا فائقة الصغر (النانو) التي تمثل اليوم جوهر الاقتصاد الحديث.

ما يهمنا عند الحديث عن الاقتصاد السوري أهمية وضرورة الاتجاه بصورة ممنهجة لابتكار الطرق الكفيلة لاستخدام أدوات الاقتصاد المعرفي الحديث، وبخاصة أن فرصة إعادة الاعمار وتحديث الاقتصاد السوري تبدو فرصة ذهبية لانتهاج ما يعظم القيم المضافة للقطاعات الاقتصادية الأساسية والولوج بها إلى عالم رحب من التقانات والريادة والابتكار، وهو ليس بحديث نظري مجرد بل نجحت فيه دول عديدة كانت أضعف اقتصادياً من سورية وأقل نمواً وأقل موارد ومحركات ذاتية للنمو. فهل نستطيع دخول عصر الاقتصاد الحديث بإمكانيات الفرد السوري الخلاقة؟

العدد 937 - 25/11/2020