فرصة عمل

مرح محمد نبيل السمكري:

عفواً.. هاد محل مكياج ولا سوبر ماركت؟

بهذه الجملة افتتحت شركة السمن النباتي إعلانها العظيم، بهذه الجملة دخلت تاريخ علم التسويق (التافه) من أوسع أبوابه، إضافة إلى طريقة تنفيذ الإعلان غير الاحترافية التي زادت من شهرة الإعلان، هذا ما يُسمّى بالتسويق السلبي، وهي الطريقة التي يعتمد فيها مدير التسويق على بث إعلانات مُستفزة ببشاعتها، مدهشة بسماجتها، لدرجة تجعلك تنادي أخاك في الغرفة الثانية لمشاهدة هذا الإعلان، وتبحث على هذا الإعلان علىyoutube  لترسله إلى أصدقائِك، والنتيجة: لا يوجد شخص في هذه المدينة لا يعرف الإعلان ولا يعرف المنتج.

وتلجأ بعض الفنانات لهذا النوع من التسويق لأنفسهن، فتظهر في بداياتها بأغنية وقحة، وبكلمات تخلو من أيّ معنى، وألحان من النوع الرديء الذي يُستخدم في حفلات الرقص، وبجسد شبه عارٍ، فتُحدث ضجّة في أرجاء الوطن العربي بين من يشتم وقاحتها وسخافتها، وبين من يجدها (حلوة ولذيذة) فتُحقق الخطوة الأولى من التسويق وهي (عرّف الناس عمّا لديك) وتلجأ للخطوة الثانية وهي (أقنع الناس بما لديك) فتحاول تلميع صورتها وتظهر بأزياء فخمة مدهشة مع أغاني راقية وحفلات للطبقة المخملية، وبذلك تكون قد حققت خطتها التسويقية بنجاح باهر، وخير مثال على ذلك صديقتنا صاحبة الوجه البريء (ننوسة).

وباتت الشركات التجارية تلجأ لهذه الطريقة، بل وتزيد على ذلك أسلوب التسويق الذي يعتمد على استعباد المسوّق وإذلاله، بهدف زيادة شهرة منتجها، كأن يرتدي الشخص زيّاً يمثل منتج الشركة، فيصبح شكله (كيس شيبس) يمشي على قدمين، أو علبة سمن أو قطعة شوكولا.

إن النفس البشرية بالتأكيد أسمى وأعلى من أن تتجسّد بشكل منتج غذائي مهما كان، أو كمركز التجميل الذي أرسل شّاباً إلى شوارع دمشق ويرتدي زي شخصية تاريخية، وما زال الشعب كاملاً يجهل الرابط بين هذه الحملة ومركز التجميل.

استوقفني مشهد منذ عدّة أيام لفتاة في العقد الثاني من عمرها، ترتدي زيّاً دينياً يشي بهويتها، تقف على أبواب إحدى الصيدليات وتُقدّم عروضاً لمنتج خاص جداً بالنساء، علماً أن مجتمعنا لا يتقبّل شراء منتجات كهذا أمام الملأ بكل أريحية. ما زلت أفكر في شعور هذه البنت، يا ترى كم هي خجلة من نظرات المارّة، وكيف أقنعها مديرها بأن الأمر عادي جداً، وبأن أمريكا وأوربا تتعامل معه بكل أريحية وشفافية، وبأننا يجب أن نكسر جدار التخلف الذي يعيش به مجتمعنا. أنا على ثقة بأن مديرها حوّل القضية لقضية مجتمعية عظيمة حتى أقنع فتاة على أن تقف في الشارع عارية من تحفّظات المجتمع وتقاليده.

قد تتساءل لماذا يقبل هؤلاء الشباب بهذه الوظائف التي تنتهك كرامتهم وبشريتهم؟

يرجع ذلك لسبب أساسي تتفرّع منه عدّة أسباب، وهو(الفقر). إن غالبية هؤلاء الشباب من الفئة الجامعية المثقفة، الذين يطمحون إلى الجلوس خلف مكاتب فخمة ويغيرون العالم للأفضل، لكن الحاجة تقف في وجه طموحاتهم كوحش ضخم، فيلجؤون إلى أيّ عمل يؤمّن لهم مصاريف حياتهم ودراستهم ريثما يجدون فرصة أفضل، والسبب الثاني، أن معظم الشركات تلجأ لأسلوب (سيتم تعيينك بمنصب إداري، لكن يجب أن تخضع لفترة تجربة لبضعة أشهر عن طريق العمل الميداني) وكلمة العمل الميداني هي المرادف اللطيف لكلمة (مندوب مبيعات)، طبعاً يُطرد الموظف بعد إنهاء فترة العمل الميداني بحجّة أنه لا يمتلك الجدارة الكافية لاستلام منصب أكبر، أو عن طريق استمالة الشباب بإعلانات التوظيف (مطلوب للعمل شاب دون الـ35 عاماً حاصل على شهادة البكالوريا للعمل في شركة تجارية براتب 200 ألف ليرة سورية) ومازلنا جميعا نجهل ما هذه (الشركة التجارية) ولكنّنا نعلم ماهية العمل جيداً، لذلك أرجوكم احترزوا من إعلانات التوظيف الملغومة وغير المنطقية.

وأخيراً لي كلمة أقولها لكم أعزائي أصحاب الشركات والمعامل: معظم الشباب الواعي سيقرف من منتجكم وأسلوبكم بسبب طريقة تسويقه العنجهية، لذلك أرجوكم احترموا عقولنا وكيان الشباب حتى نحترمكم!

العدد 921 - 29/07/2020