المواطن والسياسة في العالم »النامي«

يونس صالح:

تتردد أسئلة متعددة عن السياسة الخارجية التي ينتهجها كثير من دول العالم النامي، وأسئلة أخرى عن الحالة التي تردت إليها العلاقات الدولية.. وكلها أسئلة لا تجد إجابات شافية. ويلفت النظر بشكل خاص نوع الأسئلة التي تتعلق بالسلوك السياسي لهذه الدول، وهو لا يستجيب لقواعد أو معايير متعارف عليها.

إن الضعف العام الذي أصاب السياسة الخارجية لدول العالم النامي ضعف صارخ لا يتناسب مع أي وضع اقتصادي أو سياسي، فقد تدنت الحدود الدنيا لما تقبل به هذه الدول، وتواصل التدهور في أساليب استخلاص الحقوق أو المحافظة على الاستقلال والحرية النسبية في الحركة الدولية.

ولم يقتصر الضعف العام على هذا، بل امتد ليصيب نظماً إقليمية وقومية فتبعثرت أطرافها بعد أن سمحت للآخرين باختراقها وتفتيت تحالفاتها وإخضاع تفاعلاتها لمتغيرات خارجية.

لقد تجاوز هذا الضعف حدود فهم المواطن، وأصبح يدرك أنه غير مطلوب منه المشاركة في السياسة، وفي عديد من الدول تحرم عليه هذه المشاركة.

إن هذا المواطن يعرف مصدر ودرجة الخطر الأساس الذي يهدد أمته ودولته، ويرى في الوقت نفسه حكومته وقد اختارت خطراً آخراً تركز عليه جهودها متجاهلة وعي الشعب حيناً، ومحاولة في حين آخر إقناعه بمدى إلحاح هذا الخطر.

والنتيجة الوحيدة لهذا التضارب في الرؤية هي اتساع المسافة التي تفصل بين وعي المواطن وإرادة السلطة وفقدان الثقة بينهما.

لقد دخل المواطن في العالم النامي تجربة المشاركة في صنع السياسة الخارجية حين ساهم بأشكال متعددة في مرحلة النضال من أجل الاستقلال، وقد تراوحت تلك الأشكال بين القتال والتظاهر والتعاطف وتنظيم الأحزاب الوطنية وكتابة المنشورات السياسية وتعبئة الجماهير، ثم جاءت مرحلة شارك فيها المواطن في بناء الدولة، وفي تحديد معالم سياستها الخارجية، حين كانت هذه السياسة توضع وتطرح كبرهان على استعادة الشعب لكرامته، وقدرته على المساهمة في بناء نظام دولي جديد يضمن للدول حديثة الاستقلال نصيباً في صنع السياسة الدولية. لذلك يمكن القول إن السياسة الخارجية للدول حديثة النشأة لم تكن وليدة أفكار وطموحات زعماء تلك الدول بقدر ما كانت استجابة لكثافة مشاركة المواطن وحماسه للاستقلال والبناء الداخلي. وإضافة إلى ذلك، كان لدى إنسان تلك المرحلة وقت للسياسة ليناقش إنجازات زعمائه وزعماء الدول الشقيقة أو المجاورة، ويبدي رأيه في سياسات الدول العظمى مفعماً بالثقة فيما حققه وفيما يستطيع أن يحققه. وقد شهدت هذه المرحلة ارتقاء في الكتابة السياسية وفي المسرح السياسي وفي السينما السياسية، وبالتالي أصبح على الدولة واجب الارتفاع إلى مستوى تطلعات المواطن وآملاه، في تدعيم حريته واستقلاله.

كذلك تقدم هذا الإنسان خلال تلك المرحلة خطوات واسعة نسبياً نحو الاقتناع والإيمان بأسبقية الولاء للدولة على ولاءاته القبلية أو الطائفية، ووصل في سنوات قليلة إلى الاعتقاد بأن الدولة ومؤسساتها أفضل حارس لحقوقه وضمان لمستقبله، وأنه من خلال الحزب أو النقابة أو الصحيفة يستطيع أن يحقق ما لم يتمكن من تحقيقه في السابق من خلال أسرته وعشيرته وطائفته وقريته.

أما الإنسان الجديد في العالم (النامي) فهو إنسان غير مشارك، إنه إنسان لا ينفعل بالأحداث الدولية، وبينها تلك الأحداث التي تمس حياته ومصيره.. وإذا حدث أن انفعل بسبب بشاعة الحدث فإنه لا يكشف عن هذا الانفعال، إنه ينشغل فقط في كثير من الأحيان بقضية تضخيم ثروته الشخصية أو البحث عن لقمة العيش.

لم يعد يغضب وكان يغضب حين كان الاستعمار الفرنسي يتلكأ في الخروج من الجزائر، وكان يغضب حين تتردد بريطانيا العظمى في الخروج من عدن، أو في محاولة العودة إلى قناة السويس، ولكنه لم يغضب حين وقعت مجزرة ذبح فيها أبناؤه وأشقاؤه.. لقد عاش مرحلة من مراحل تطوره متفاعلاً واليوم لا يتفاعل.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة واقع على كيان الدولة في العالم (النامي) وعلى مستقبلها، وهي الظاهرة التي بذل من أجل تكوينها جهد فائق، إنها تحرم الدولة من أهم أرصدتها وأسلحتها، فالإنسان المشارك هو في حقيقة الأمر نواة لرأي عام له بصيرة تاريخية لا تتوفر عادة لدى كثير من الحكام. إن الحاكم تقيد حركته ضغوط وواقع وحسابات تجعل بصيرته محدودة، أو أنه محتاج لإنجاز سريع أو بطولة في نظر رأي عام آخر غير شعبه، وبالتالي فبصيرته منحرفة، أما الرأي العام ونواته المواطن، فإنه تلك الجعبة التي تحمل تراث الشعب وتاريخه، وهو الضمير العام الذي يحدد أبعاد الحقوق والطموحات، وهو الوسادة التي تضعف عليها صدمات الهزيمة والعمق الوحيد الذي يحمي الدولة وحكامها من ضعف البصيرة وانحرافها.. لذلك شهدت المرحلة الأخيرة جهوداً فائقة لتفريغ هذه الجعبة والتشكيك في محتوياتها، ولتفكيك مقومات هذا الضمير، والوصول باليأس مركزاً إلى النواة وهي الإنسان المواطن.

لقد تعددت أسباب خروج المواطن في العالم (النامي) من دائرة السياسة، بعض هذه الأسباب يتعلق بالتطور الداخلي الراهن في معظم مجتمعات الدول النامية، وبعضها الآخر يتعلق بالبيئة الدولية.

أول ما يلفت النظر في القطاع الأول من هذه الأسباب حقيقة أن الدولة في العالم (النامي)، صارت أقل من (دولة)، وبمعنى آخر أن الدولة في العالم (النامي) صارت أقل ممارسة أو مشاركة في (السياسة)، إذ اعتادت دول متعددة على ظاهرة استقرار نظم الحكم غير الديمقراطية حيث يحرم على المواطنين العمل بالسياسة، وبالتالي يقل عمل الدولة في السياسة.

هذا الاستقرار الطويل نسبياً فصل بين الدولة والمجتمع، إذ أصبح المجتمع في أفضل الحالات في وضع المتلقي لطيبات تأتيه من الدولة، وهي طيبات لا يد له في تحديد نوعها أو كميتها أو أسلوب ونظام توزيعها.. صاحب هذا الاستقرار الطويل إنشاء قوة أمن وقمع لا عهد لهذا المجتمع بها، وصارت مع التطوير المستمر والاختراعات الحديثة وتدخلات الدول العظمى سداً منيعاً يفصل الدولة عن مجتمعها.. وتحولت هذه القوة إلى جهاز وسيط ينقل للدولة ما يتصوره مطالب المجتمع وسلوكياته وينقل إلى المجتمع قرارات الدولة التي تشذِّب مطالب المجتمع وتصحيح سلوكياته، هذه الدورة لا علاقة لها بالسياسة، فهي دورة شبيهة بأي دورة عمل يومي داخل مصنع كبير، وبمرور الوقت تنقطع العلاقة أو تضعف، بين المجتمع والدولة، وينصرف الناس إلى الاهتمام بأمور أخرى غير سياسية.

وحين تنقطع العلاقة بين الإنسان والدولة، يبدأ الإنسان في البحث عن انتماءات أخرى، إذ إنه حين اختار الدولة هوية رئيسية وانتماء أساسياً فضّله على انتماءاته الأخرى، إنما فعل ذلك لأنه كان يشعر أن الدولة تشبع أكثر متطلباته المادية والنفسية، ولذلك يلاحظ الآن أنه مع استمرار ابتعاد الدولة عن المواطن، يزداد اتجاه الإنسان في العالم (النامي) نحو هويات جديدة يشارك فيها، فيكتسب من مشاركته ما فقده من اعتبار الذات وإيجابية الجهد والنشاط، وفي أحيان يتطلع إلى هوية تنقله عبر الحدود بعيداً عن الدولة التي ينتمي إليها جسداً وليس روحاً، وفي أحيان يتقوقع داخل هوية أولية يحظى من خلالها بالألفة والأمن.

ويشعر المواطن في العالم (النامي) من ناحية أخرى بالتناقض الفاضح بين تعاظم القدرات الأمنية لدولته، وسلوكها الدولي البادي الضعف.. إن ما سبق أن حدده العالم النامي من خلال كفاحه ومشواره الطويل عبر الاستقلال، وعدم الانحياز وتجمعاته الإقليمية والقومية والنوعية، من حدود دنيا لحقوقه، أصبح تاريخاً منسياً، فالحدود الدنيا أصبحت حدوداً قصوى، واستمر يتدنى بها إلى حدود دنيا جديدة.

وقد ساهم في فقدان الثقة اتجاه دول في العالم (النامي) إلى انتهاج أسلوب الدبلوماسية السرية في علاقاتها الدولية. لقد كان الأمل الوحيد لدى حكام الدول النامية لانتزاع حق من براثن دولة عظمى يكمن في قدرة هؤلاء الحكام على استخدام الدبلوماسية العلنية وتعبئة الرأي العام المحلي كرصيد أساسي في عملية التفاوض، وكانت هذه الوسيلة إلى جانب كونها عنصراً فعالاً في المفاوضات تجذب اهتمام ومشاركة المواطن وتؤكة ثقته في حكومته. أما في أيامنا هذه فالمواطن المعاصر مستبعد من عملية التفاوض، بل ومستبعد كلياً عن دائرة السياسة الخارجية وحقائقها، وأصبح أمراً معروفاً أن الحكومات صارت تقدم للشعوب الأخبار الدولية بحجم ونوعية لا تثير الغضب ولا الرغبة في التفاعل والمشاركة، وبدا من المألوف أن من يقع على حقيقة يتردد في كتابتها، وإذا كتبها قد لا يجد من ينشرها، وإذا نشرت تسرب الشك إلى المواطن في دوافع نشرها.

وعلى كل، وأياً كان السبب في أزمة المواطن أو الإنسان المعاصر في العالم النامي، فالنتيجة مروعة لكلا الطرفين: الدولة والإنسان.. إذ إن الدولة النامية بسبب محدودية قوتها المادية المنفردة تفقد أهم رصيد عندها وأبعد عمق يحميها إذا هي فقدت مشاركة المواطن، والمواطن الذي لا يشارك الآن قد يصحو فجأة فيجد نفسه لاجئاً في معسكر خيام، أو فرداً في دويلة طائفية تابعة، أو ساكناً بلا حقوق في إمبراطورية عنصرية.

 

العدد 899 - 19/2/2020