عشت كما تشتهون.. سأموت كما أشتهي

إيناس ونوس:

من منّا يمتلك حق المجيء إلى هذا العالم؟

من منّا يمتلك الحق في اختيار اسمه أو لونه أو عائلته أو أو أو الخ؟؟؟

لكن منّا من يمتلك الأحقيّة باختيار موته ورحيله عن هذه الدنيا بكل ما فيها.. له من الأسباب الخاصة الكثير ممّا يدفعه لهذا الفعل، والتي قد لا تقنع الآخرين، إلاّ أنه لم يعد يعنيه أمرهم سواء اقتنعوا أم لم يقتنعوا!

يُقدِم الكثيرون على فعل الانتحار على مستوى العالم، وتبعاً لإحصائيات عالمية فإن النسبة تزداد عاماً بعد عام، ولا يقتصر هذا الفعل على أبناء مناطق محدّدة دون غيرها، فلا الفقر ولا تدني مستوى التعليم أو الصحة أو انعدام فرص العمل وحدها قادرة على إيصال المرء إلى هذا الفعل، بل إن أبناء المجتمعات المتقدمة والمتطورة والتي لبَّت كل احتياجات مواطنيها يقدمون أيضاً على إنهاء حياتهم بالطريقة التي يرغبون بها.

إذاً، فالأمر يتعلّق بشكلٍ مباشر بالشخصية وقدرتها على التأقلم مع الظروف التي تعيشها أم لا، فالإنسان الذي يشعر بالفراغ نظراً لأنه قد حصل على كل ما تمناه ولم يعد من مجالٍ أمامه للحلم أو التطوير، يتشابه في هذه اللحظة مع الإنسان الذي لم يحصل على شيء البتّة ويرى أنه غير قادر على المضي بحياة لا جدوى منها مهما حاول أو اجتهد، وبالتالي فإن المُسببات لديهما متوافرة إنما كلٌ من وجهة نظره، وقد باتت هذه الحالات بحاجة ماسّة للدراسة والتمحيص من قبل المهتمين والمعنيين بالشؤون النفسية على مستوى العالم أجمع، لأنها تحوّلت إلى ظاهرة شبه عامة تُلهِم الكثير من الأجيال الحديثة بتكرارها ومحاولة تقليدها، لأنها تُبرز جانب قوة الشخصية التي يطمح لامتلاكها كل الشبّان والشّابات ممّن هم في مقتبل العمر.

كما أنها بأمسّ الحاجة إلى آليات تعامل مختلفة سواء على الصعيد المجتمعي أو الإعلامي أو الحكومي، هذه الآليات التي تختلف من مجتمع إلى آخر ومن حكومة إلى أخرى، ففي الوقت الذي تُصرّح بعض الحكومات عن الأرقام والنسب الحقيقية لهذه الظاهرة، تُخفي مجتمعات أخرى وحكوماتها كل ما له علاقة بها، نتيجة معتقداتها وسياساتها وبنيتها الفكرية.

ففي بلادنا على وجه الخصوص، يعتبر هذا الفعل مُشيناً اجتماعياً بل ومرفوضاً بالمطلق، استناداً إلى البنية التربوية القائمة على المعتقدات الدينية ومفهوم الحلال والحرام من جهة، ومن جهة أخرى يُرفض التصريح به إعلامياً لأنه يؤذي صورة الحكومة بين نظيراتها عالمياً، ذلك أن الأسباب المؤدية له عندنا تتعلّق بالفقر والجوع وقسوة العيش وانعدام فرص الحياة يوماً بعد آخر، غير أن كل هذا لا ينفي حدوث وتكرار مثل هذا الفعل مهما حاولت وسائل الإعلام بطلب من الحكومة التعتيم عليه أو تغييبه، فبوجود وسائل التواصل لم يعد أيُّ أمر خافياً على أحد، وكل صغيرة وكبيرة من الممكن أن تتحوّل لسبق صحفي أو مادة إعلامية عند الحاجة لها أو فور حدوثها، حتى أن غالبية الأحداث تُنقل بشكل مباشر.

عشت كما تريدون، وسأموت كما أريد!

هذا لسان حال كل من قام ويقوم بالانتحار… مُعلناً رفضه لكل من وما حوله… فهل هناك من يُصيخ السمع لمتطلبات هؤلاء الأشخاص الذين غالبيتهم شبّاناً بعمر العطاء والاندفاع والحلم؟ أم أن هناك من يمتلك الرغبة بوأدهم؟؟ ألم يكفِنا كل الموت والخراب الذي لحق بنا في السنوات الماضية ولمّا يزل؟ أم أن الموت واجبٌ مفروضٌ علينا وكأنهم يقولون لنا (من لم يمت بالسيف سيموت بغيره)؟

العدد 895 - 22/1/2020