شو عم يصير | بناء الإنسان ضرورة حتمية

مادلين رضوان جليس:

في هذه الأزمات الكثيرة التي تتوالى على بلدنا من كلّ النواحي، والتي دمّرت ما دمرته من المباني والمنشآت والطرقات، والمستشفيات والمدارس، والتي أدت إلى تراجع جميع القطاعات وبضمنها الزراعة والصناعة والتجارة الخ…

في ظل كل ذلك، التفتت مؤسسات الدولة إلى إعادة الإعمار، ومن ذلك إعادة بناء للبنى التحتية المدمرة، تأهيل وإصلاح المعامل، وضع الجميع نصب أعينهم تأهيل المنشآت الصناعية بغية إعادة دوران عجلة الإنتاج دون أن ينتبهوا إلى مشكلة أكبر وهي أن عجلة الزمن وعجلة الحرب التي دارت فوق رؤوس السوريين أرخت بمشكلات وآثار نفسية لا تعد ولا تحصى.

ولعل خبر وفاة الطفل ذي الأعوام التسعة إثر ضرب مبرح من والده قبل أيام لم يكن إلا مثالاً صغيراً على ذلك من بين آلاف الأمثلة.

وغيره أمثلة كثيرة منها الطفلة بالعمر نفسه التي توفيت إثر ضرب من والدتها، أفقدها الوعي، ففارقت الحياة بعد ذلك بساعة، والمؤسف أن الأسباب المباشرة التي يتذرع بها هؤلاء، أصحاب الذنب الأكبر في حادثتي الوفاة، هي أسباب سخيفة، فهل يستحق انخفاض الدرجات في الجلاء المدرسي، أو علامة الاختبارات أن تزهق أرواح بريئة بسببها؟

ولعل المجتمع يعج بالأمثلة التي لو حاولنا حقاً حصرها وعدها فلن تكفي سطور قليلة لذلك، هذه الأزمات النفسية والكوارث التي اصطلح العلماء على تسميتها بـ (القهر النفسي)، والتي تخلق لدى الفرد آثاراً أخرى كعدم الثقة والخوف والانفعال  لأقل الأسباب بساطةٍ، إضافة إلى الرضا بالإنجازات الصغيرة التي لا تعتبر  إنجازات حقاً، ومنها في أيامنا الحالية الحصول على أبسط مقومات العيش، كما تؤدي هذه الأزمات النفسية إلى خسارة في الطاقات البشرية بسبب انعدام الإبداع وانحصار التفكير في الانجازات البسيطة.

غدت معالجة الأرواح وإعادة تأهيل الإنسان أمراً ملحاً أكثر من أيّ شيء، فالإنسان هو الأساس الأول في بناء الحجر وزرع الشجر، وهو اللبنة الأولى في المجتمعات.

مهما دفعنا الأموال في سبيل بناء الحجر، فلن ينهض المجتمع ولن يحالفه الحظ بالازدهار والعمران ما لم يكن للبشر الحصة الكبرى من هذا البناء، وما لم يكن بناؤه الهدف الأول لنا.

العدد 927 - 16/09/2020