واقـع وآفاق التنميـة العربيـة في ظل المتغيرات الدوليـة والإقليمية

د. منير الحمش:

بعد الاستقلال السياسي ومحاولات الأقطار العربية شقّ طريقها لتحقيق استقلالها الاقتصادي وتحقيق التنمية على المستويين القطري والقومي، وما واجهته هذه المحاولات من تحديات وإخفاقات، تُطرح قضية التنمية من جديد في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية والتطبيق الجائر للسياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة.

في هذه العجالة أُبيّن ما يلي:

  1. قد تكون بعض الأقطار العربية قد حققت بعض التقدم على طريق التنمية، ولكن في الإجمالي وبمواجهة صريحة وجدية، نجد أن الإخفاق هو ما يحكم هذه العملية بوجه عام، رغم بعض التفاوتات بين قطر وآخر، حسب ظروف كل قطر.
  2. التنمية، عملية حضارية مستمرة، وتعمل المؤسسات الدولية ومن يقف خلفها من الدول الصناعية المتقدمة، على التركيز على أن التنمية عملية تأخر زمني للبلد المعني، في مقابل تقدم الدول الأخرى.

وفي الواقع فإن هذه المسألة يجب أن تدرس من خلال آليات التقدم والتأخر، وعلاقات الدول الغنية بالدول الفقيرة أي علاقة الشمال بالجنوب، ذلك أن هذه العلاقة قائمة على الاستغلال والنهب الاستعماري التاريخي.

وتريد تلك الدول من خلال السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، استمرار العلاقة غير المتوازنة بين الشعوب، القائمة على النهب والاستغلال، ولهذا تُصر على أن تأخر دول الجنوب هو تأخر زمني وأن انتهاج السياسات الاقتصادية الليبرالية، صحيح أنه سيؤدي إلى تركز الثروة، ولكن هذه الثروة ستعود لتتساقط من الأعلى إلى الأسفل.

وقد فُرض هذا النهج الاقتصادي على دول الجنوب بعد الحرب العالمية الثانية، في محاولة لإبقاء الدول الفقيرة وشعوب الجنوب بوجه عام في إطار النظام العالمي الامبريالي.

وما لم تُكسر هذه الحلقة، لا أمل بتحقق التنمية.

وهذا يطرح علينا مهام جديدة تتضمن جانبين:

الأول: رفض معادلة أن التأخر هو تأخر زمني.

والثاني: بناء معادلة وطنية اقتصادية جديدة، لمجتمع متحرر، يريد إقامة تنمية حقيقية تقوم على أسس الحرية والعدالة الاجتماعية والعلم والتقانة.

  1. تمت سيادة الليبرالية الاقتصادية الجديدة وفرضها على العالم بقوة ونفوذ الولايات المتحدة، ونتيجة لمجموعة ظروف، ازداد نفوذ الولايات المتحدة بعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية قوة عظمى عسكرياً واقتصادياً، واعتمدت في تعزيز نفوذها على شعوب العالم على أمرين رئيسيين:

الأول: قوة اقتصادها الذي بنته ليس فقط، على حجم هذا الاقتصاد في الاقتصاد العالمي، وإنما على نفوذها الذي فرضته على المؤسسات الدولية، وعلى تحويل الدولار إلى عملة احتياطية دولية، وإلى قدرتها غير المحدودة على إصدار العملة الورقية. هذا إلى جانب قوتها العسكرية.

والثاني: ضعف الطرف المقابل، ونعني به:

– القطب الآخر في السياسة الدولية أي الاتحاد السوفييتي، وتراجع قوته ثم انهياره.

– الدول والشعوب المتوسطة والفقيرة، ومنها شعوب الدول الصناعية الغنية (بعد تراجع قوى اليسار والتقدم والنقابات).

  1. التغيرات على الساحة الدولية وعلى النظام العالمي.

لعل أهم هذه التغيرات:

– صعود الصين ووصولها إلى مستويات عالية في الأداء الاقتصادي وتزاحمها على الموقع الأول في العديد من المؤشرات الاقتصادية.

– رغبة روسيا باستعادة دورها القديم.

– انكشاف الآثار الكارثية لدى شعوب العالم في تداعيات السياسات الأمريكية بوجه عام، ومن انتهاج السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة.

– ظهور الإرهاب وتنظيماته التكفيرية لاعباً مؤثراً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

– تفاقم مشكلة التلوث البيئي.

– تصاعد أهمية النزوح واللاجئين.

– تطور نظام البرمجيات والذكاء الصناعي.

  1. الأزمات الاقتصادية والتحولات في الاقتصاد الأمريكي، وكان آخر هذه الأزمات عام ،2008 المعروفة بأزمة قروض الائتمان العقاري، التي كشفت حقائق جديدة في الاقتصاد الأمريكي، ومن هذه الحقائق والتحولات الجارية في هذا الاقتصاد من اقتصاد منتج إلى اقتصاد مالي مقاولاتي، وتراجع إنتاجيته، وانتقال الصناعات الكبيرة والهامة إلى دول الشرق الأقصى وأمريكا اللاتينية، والمحاولات العبثية التي يقوم بها (ترامب) لاستعادة الدور الأمريكي المتحكم بمفاصل السياسة الدولية من خلال شعار (أمريكا أولاً)، وتزداد ممارسات الولايات المتحدة تحدياً لإرادة الشعوب وإمعاناً في فرض حالة من التوتر وعدم الاستقرار نتيجة استخدامها لآليات العقوبات الاقتصادية التي هي أقرب إلى عمليات خنق اقتصادي.
  2. الانتقال إلى عالم جديد تريده الولايات المتحدة استمراراً لهيمنتها ونفوذها، وتريده شعوب العالم (عالم متعدد الأقطاب)، وفي هذه المرحلة الانتقالية التي نعيشها، يزداد التوتر في العلاقات الدولية، فمن جهة تعنت الولايات المتحدة وتمسكها بالانفراد في قيادة العالم، ومن جهة ثانية، سعي الدول الأخرى إلى تفكيك قدرة الولايات المتحدة وإحلال نظام جديد قائم على التعددية بقيادة الصين وروسيا والدول البازغة.

وفي هذه المرحلة الانتقالية ترتكب الجرائم، وتنتشر الحروب الإقليمية والأهلية، وتتسع دائرة الفقر وتزداد الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، وداخل كل دولة على حدة، وتعم الفوضى التي يريدها الأمريكان (خلاقة) وتريدها التنظيمات الإرهابية (عارمة).

  1. تزعم الليبرالية الاقتصادية الجديدة أن سياساتها الاقتصادية ستؤدي إلى نمو اقتصادي أسرع وأن الفوائد ستتساقط من الأعلى إلى الأسفل. ويصبح الجميع في حال أفضل، مقابل خفض الأجور وخفض النفقات الاجتماعية وانسحاب الدولة من الشأن الاقتصادي والقبول بحكومة الحد الأدنى.

لكن ما حدث خلال السنوات الماضية هو:

– تباطؤ النمو على المستوى العالمي والاتجاه نحو الركود.

– استفادة الطبقة العليا القليلة من ثمار النمو.

– ركود في الأجور.

– تصاعد في عمليات وأرباح الأوراق المالية والأعمال المصرفية.

كل هذا أدى إلى تفاوت كبير في الدخول وعدم عدالة في التوزيع فضلاً عن البطالة والتضخم.

 

البديل:

– إذا كان النموذج الليبرالي الاقتصادي الجديد قد سقط،

– وإذا كان النموذج الاشتراكي السوفياتي قد فشل،

– وإذا كانت الصين الشيوعية قد أوجدت نموذجها الخاص بالتعايش بين الحزب الشيوعي ورأس المال (المحلي والأجنبي)،

– وإذا كانت التجارب التنموية في البلدان العربية قد أخفقت في تحقيق أهدافها،

إذاً ما هو البديل؟

ينبغي أولاً الخروج من تحت عباءة الليبرالية الاقتصادية الجديدة، بما في ذلك الانعتاق من أسر المؤسسات الدولية ونصائحها، والتخلص من أوهام (السوق المنفلتة من القيود)،

وينبغي ثانياً الخروج من سجن آليات الريع المنتشرة في شرايين المجتمع، وفي جميع القطاعات الاقتصادية، والتخلص من تأثير مجتمع الاستهلاك وأساليب الحياة الأمريكية والسلوك الأمريكي وعاداته وقيمه.

وما يجب التركيز عليه ثالثاً هو التربية والتعليم، وبرامجها المؤثرة في خلق أجيال المستقبل، ويشمل ذلك البحث العلمي وبحوث التكنولوجيا والمعلوماتية، وتصحيح مسار برامج التعليم العالي.

وفي المجال الاقتصادي، الاهتمام بالاقتصاد السياسي ومجالات الفكر الاقتصادي وتاريخه، والتقليل من آثار الطابع الرياضي ذي النزعة الليبرالية الاقتصادية الجديدة على الاقتصاد.

وينبغي رابعاً دراسة تجارب تنموية معاصرة للاستفادة من دروسها، ونخص بالذكر تجربة دول جنوب شرق آسيا.

وقبل ذلك، لابد من إجراء مراجعة علمية للسياسات الاقتصادية المتبعة في البلدان العربية وما سببته على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

يأتي بعد هذا وضع السياسات الاقتصادية الملائمة لإقامة المجتمع التنموي الجديد، القائم على العدل والمساواة وتكافؤ الفرص. من خلال (أجندة) اقتصادية مختلفة تقوم على:

– إيجاد التوازن ما بين السوق والدولة، تقود الدولة الاقتصاد وتوجهه بينما يحافظ لدور قوانين السوق وآلياته.

مع المحافظة على الملكية الخاصة وعلى دور القطاع الخاص في التنمية، حيث تتولى الدولة إقامة مشاريع البنية التحتية ومشاريع الاستثمار العام التي يحجم القطاع الخاص عن الاستثمار فيها.

– ويوضع نظام تصاعدي للضريبة العادلة، باتجاه تغليب مصالح الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى.

– انتهاج سياسة حازمة في مجال منع الاستغلال والاحتكار ومراقبة الأسواق وتوفير المواد والسلع في الأسواق بشروط مناسبة.

ولا بد في هذا المجال من سيادة نظام سياسي منفتح على الناس، يعيد توزيع السلطات بما يحفظ للشعب أداء دوره، وإنهاء حالة التهميش والاستعباد. في إطار عمل حكومي فعال في مواجهة الاحتكار والفساد، وسيادة القانون والشفافية في العمل.

ومن المفيد أن نذكر أن هناك بعض التوجهات المعارضة للسياسات الليبرالية الجديدة بدأت تظهر في صفوف بعض الأكاديميين والاقتصاديين الأمريكان، ومن هذه التوجهات نجده في مقال لـ (جوزيف ستيجلز) نشر مؤخراً (4 نوفمبر 2019) بعنوان (نهاية الليبرالية والتاريخ يولد من جديد)، يكشف ستيجلز عن الخداع الذي مارسته الليبرالية الاقتصادية الجديدة، عندما أعلنت وعودها بمستقبل باهر للاقتصاد الذي يلبي شروطها، أي، تخفيض الأجور وتخفيض النفقات العامة وتصغير الحكومة، وتخفيض الضرائب على الأغنياء، انطلاقاً من أن هذه السياسات ستقود إلى نمو اقتصادي أسرع، وأن الفوائد ستتساقط من الأعلى إلى الأسفل، حتى يصبح الجميع بمن فيهم الأكثر فقراً في حال أفضل.

لكن يقول إنه، بعد أربعين عاماً، كانت النتيجة تباطؤ النمو، وذهبت ثمار النمو إلى القلة، ومع ركود الأجور وارتفاع سوق الأوراق المالية، تدفقت الدخول والثروات إلى الأعلى بدلاً من التساقط إلى الأسفل، وهنا شعر المواطنون العاديون أنهم ضحية لعملية نصب.

ويقول (ستيجلز): نحن نشهد الآن العواقب السياسية المترتبة على هذا الخداع الأكبر:

– انعدام الثقة في النخبة.

– انعدام الثقة بالعلوم الاقتصادية الليبرالية الجديدة.

– انعدام الثقة بالنظام السياسي.

ويقول (ستيجلز):

الليبرالية الاقتصادية ماتت ويجب دفنها، لكن ما هو البديل الأنسب لرفاهية البشر:

بعد أربعة عقود من اعتماد العولمة والتجارة الحرة كآليات اقتصادية، تم الترويج لها على أنها الحل الأمثل لتحقيق الرفاهية والعدالة للبشر، يرى الجميع الآن أن تلك الآليات والنظام بأكمله أصبح في عداد الموتى ويجب دفنه، لكن ما هو البديل؟

نشر (ستيجلز) في جريدة (غارديان البريطانية) في الشهر السادس من عام 2019 مقالاً استعرض فيه ما حققته الليبرالية الاقتصادية الجديدة من:

– فرض ضرائب أقل على الأثرياء.

– إلغاء العقود المنظمة لسوق العمل وسوق الإنتاج.

– زيادة حجم وتأثير المؤسسات المالية.

– العولمة.

وبالتحليل وجد أن هذه السياسات فشلت فشلاً ذريعاً فقد:

– أصبح النمو أقل مما كان عليه في ربع القرن التالي للحرب العالمية الثانية.

– تراكم أغلب النمو لدى الطبقة العليا.

– بعد عقود من ركود دخول من هم دونهم، أو حتى انخفاضها، يتحتم إعلان وفاة الليبرالية الاقتصادية الجديدة ودفنها.

ويرى أن هناك ثلاثة بدائل:

  1. القومية اليمينية المتطرفة.
  2. اليسار الإصلاحي.
  3. اليسار التقدمي.

وهو إذ يستبعد البديلين الأول والثاني، يركز على البديل الثالث، ويراه في الرأسمالية التقدمية التي تفرض أجندة اقتصادية مختلفة اختلافاً جذرياً استناداً إلى أربع أولويات:

  1. استعادة التوازن بين الأسواق والدولة والمجتمع المدني، الحكومة مسؤولة عن القيام بما لا تستطيع الأسواق أو لا تريد القيام به في مجال الاستثمار والنشاط في البحوث الأساسية والتكنولوجيا والتعلم و….إلخ.
  2. الاعتراف بأن (ثروة الأمم) تكون نتيجة البحث العلمي، وهي معرفة ما يدور في العالم حولنا، والتنظيم الاجتماعي الذي يسمح لمجموعات كبيرة من الناس العمل معاً من أجل الصالح العام.

الأسواق لها دور بالغ الأهمية فتؤديه بما يتعلق بالتعاون المجتمعي، على أن تخضع للقانون ولضوابط الديمقراطية.

  1. معالجة المشكلات المتنامية المرتبطة بقوة السوق المركزة على كيانات بعينها.
  2. قطع الروابط بين القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي.

التركيز على أجندة شاملة للتعليم والبحوث والمصادر الأخرى للثروة.

إن ما يمكن استخلاصه من تجارب النمو والتنمية، في العالمين المتقدم والمتخلف، أن الاندماج بالاقتصاد العالمي ونظامه المالي وتحرير الحسابات المالية وسعر صرف العملات، يعني أن البلاد المعنية لا تملك سياسة وطنية مستقلة، ولا تملك القدرة على التحكم في مصير البلاد الاقتصادي.

ذلك أنه عندما ترضخ الدولة إلى مقتضيات برنامج الصندوق والبنك الدوليين، فإنها تتخلى عن جميع وسائل وسياسات اقتصادية ذات صفة استقلالية، وفي الوقت ذاته تسمح للمؤسسات الدولية والدول التي تقف خلفها بالتدخل في الاقتصاد وفي مسار الاستثمار والتنمية، فعلى سبيل المثال عندما تسمح الدولة بحرية حركة الأموال (دخولاً وخروجاً) وتترك للسوق تحديد الأسعار، فإن هذا يعني نزع القرار الاقتصادي من يد الدولة لصالح السوق وقواه الغاشمة.

إن السبيل إلى تنمية عادلة ومتوازنة وشاملة ومستدامة، وذات أفق مستقل، يبدأ بنبذ النموذج الليبرالي الاقتصادي الجديد، وانتهاج سياسات اقتصادية واجتماعية، من شأنها تعزيز قوة الاقتصاد وتماسك المجتمع وصيانة مستقبل الأجيال.

العدد 912 - 20/5/2020