فضاءات ضيقة | الثقافة بين الإنتاج والتلقي

د. عاطف البطرس:

ثمة علاقة وطيدة بين عمليات الإنتاج الثقافي بكل أشكالها، وطرق تلقيها، فمن الثقافة ما هو مرئي، ومنها ما هو مقروء، وما هو مسموع. ولكل وسيلة ثقافية طرائقها في الظهور وأشكال التقديم وأساليب شد المتلقّين.

وقد كانت عملية التلفزة من أكثر الوسائل انتشاراً وإقبالاً عليها، لسهولة تلقّيها وفق مبدأ بذل الجهد الأقل. فبوسع الإنسان وهو جالس في منزله على فراشه الوثير أن ينتقل من محطة فضائية إلى أخرى، باحثاً عما يرضي ذائقته من الوجبات الثقافية والعلمية والسياسية والترفيهية.

وبعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي هيمنت تقريباً على المستخدمين، لسهولة الانتقال والتلقي لما تملكه تلك الوسائل من قدرات هائلة وطاقات غير محدودة على اختصار الأزمنة وتجاوز الأمكنة، مما وفر على مستخدميها الكثير من الجهد والمال المطلوبين لعملية التواصل.

أهمية هذه الوسائل تكمن في سرعتها وفي نقل المعلومات ونشر الأخبار، إذا لم نتحدث عن الإمكانيات التي توفرها في نقل الكتب وما تحتويه من معارف إلى الفضاء الإلكتروني.

ولكن أليس ثمة خطورة قد تحملها هذه الإنجازات؟ فقد زادت من عزلة الإنسان عوضاً عن تمتين العرى وأواصر التواصل بين الناس، فنرى التجمعات البشرية كلّ فرد فيها معزول عن الآخر، مستغرقاً أمام جهاز يبحث فيه عما ينقصه، فتجده إما ضاحكاً أو غاضباً أو مستاءً أو راضياً، مما يزيد من قلقه وتوتره الناجم أصلاً عن معاناته في حياته اليومية وتفاقم مشاكله التي لم يجد حلولاً ناجعة لها.

أما المهاترات ونشر الأكاذيب والسخافات التي نجدها فحدّث عن ذلك ولا حرج.

هل ما تحمله شبكات التواصل الاجتماعي من سيئات تلغي ما تقدمه من حسنات؟ وهل مضارها أكثر من منافعها؟ وكيف نوفق بين المفيد والضار منها؟ وماذا نأخذ عنها؟ إن ذلك يتوقف أساساً على اهتمامات المستخدمين، فهناك من يستفيد منها في بحثه العلمي أو في عملية التحصيل الثقافي أو التأكد من معلومات يحتاجها، وهناك من يجعل منها أداة للتسلية والترفيه، وأحياناً أخرى للمشاركة في نشر الأكاذيب وحملات التضليل وإشاعة الخرافات وتعميم الوعي الزائف.

فهل ثمة رقيب على ذلك؟ وهل يمكن تنقية هذه الوسائل من مضارها؟ أم أن المسألة تبقى خاضعة لأذواق المتلقين واحتياجاتهم؟

يبدو أن حل هذه المعضلة متوقف على رفع سوية المستخدمين والارتقاء باهتماماتهم إلى مستويات تساهم في تطوير ثقافتهم، وتوطيد ما يعزز لديهم احتياجاتهم الإنسانية والثقافية والمعرفية.

المسالة ليست بسيطة لكنها ليست مستحيلة، ومواجهتها تزداد إلحاحاً بمقدار توسع دائرة المستخدمين وسرعة انتشار هذه الوسائط وسهولة الحصول عليها، وجعلها المصدر الوحيد للمعرفة.

الثقة المطلقة بتلك المصادر لا تقل خطورة عن تجاهلها وإهمالها بوصفها واحدة من مصادر المعلومات، فكثيراً ما تقدم معلومات خاطئة، بقصد أو باستخفاف بحقائق العلم وأسس المعرفة، وعلى من يمتلكون معرفة حقيقة أن يبذلوا جهودهم من أجل مواجهة الأضرار الناجمة عن نشر هذه المعلومات، بدحضها والتنبيه إلى خطورتها.

يبقى هذا الإنجاز من أهم إنجازات البشرية، ما دام يساعد على تواصل الإنسان مع أخيه الإنسان، بغض النظر عن الفوارق القائمة بين البشر، والحواجز التي تمنع من تواصلهم، لكن يبقى الكتاب من أهم وسائل التواصل بين الشعوب، فهو يحفظ بين صفحاته تجاربهم وعلومهم وثقافتهم متجاوزاً الأزمنة ومتخطياً الأمكنة.

العدد 922 - 12/08/2020