الثورة مفهوماً وتاريخاً

بولس سركو:

من أسهل الأمور اليوم ونحن نعيش فوضى المفاهيم أن تطلق فضائية ما عنوان الثورة على حراك في مكان ما كي يتردد صدى التعريف كصفة ثابتة في أذهان أغلبية الناس دون تدقيق ولا مساءلة، ولكن الثورة علم من العلوم الاجتماعية لها قوانينها وظروفها الموضوعية، وليست كل اندفاعة رفض واحتجاج شعبية عفوية تعتبر ثورة.

حين نقرأ تعريف أرسطو (384_ 322 ق. م) المكثف للثورة بأنها انتقال من دستور إلى آخر أو تعديل دستور قائم، نتساءل عن الحدث الذي وصفه هذا المفكر الأثيني؟ فلا نعرف حدثاً بارزاً في التاريخ قبل ثورة الجياع العفوية في مصر ضد الفرعون بيبي الثاني (2278-2184ق. م ) التي تفترض تعريفاً في منتهى البساطة كأن نقول إن الثورة وقتذاك هي ظاهرة تقترن باشتداد ظلم الحكام بحق الناس، إنها ردة فعل المظلوم التلقائية على الظالم، أو المقهور على المتسلط المتحكم بمصيره. فالحديث عن انتقال أو تعديل دستوري مهما بلغت درجة دقته لا يبدو مطابقاً زمنياً لأحداث الواقع التاريخي حتى حين قاد العبد سبارتكوس التمرد ضد حكومة روما (73-71ق.م) ولا يبدو التعريف واضحا حتى في تاريخ أقرب كثورة الزنج ضد الخلافة العباسية في القرن التاسع الميلادي (869-883) فلقد قادت عفوية كل تلك الأحداث البارزة إلى قمعها بقسوة بالغة، وانتهت دون إحداث تغييرات في بنية النظام العبودي .

أول مطابقة تاريخية لتعريف أرسطو كانت في عام 1688 حين تمكنت مجموعة من البرلمانيين الإنجليز من القضاء على مفهوم الحق الإلهي الملكي فيما سمي بالثورة الإنجليزية التي نجحت في عزل الملك جيمس الثاني ونصبت ابنته ماري. لكن تغييراً هاماً – نسبة إلى ذلك الزمن – قد حصل من خلال اشتراط التزام النظام الملكي بإعلان الحقوق المتضمن:

1- حق الملك مستمد من الشعب الممثل في البرلمان وليس من الله.

2- ليس للملك إلغاء قوانين أو وقف تنفيذها أو إصدار قوانين جديدة إلا بموافقة البرلمان.

3- لا تفرض ضرائب جديدة ولا يشكل جيش جديد إلا بموافقة البرلمان.

4- حرية الرأي والتعبير في البرلمان مكفولة ومصونة.

لقد نجحت الثورة الإنجليزية في تحقيق الانتقال من الحكم الإلهي المطلق للعالم القديم إلى نظام الحكم البرلماني في بريطانيا، وفتحت الأفق أمام تطلعات الشعوب الأوربية إلى شكل الحياة السياسية الجديدة كشركاء في إدارة البلاد عبر ممثليهم. ولكن من الجدير بالذكر أن هذا النجاح قد تحقق بفضل تقاطع المصالح بين البرلمانيين الإنجليز المنتفضين وويليام الثالث حاكم هولندا، إذ إن جانباً أساسياً من جوانب الثورة الإنجليزية، إضافة إلى الاستبداد الملكي، كان الصراع الكاثوليكي البروتستانتي. فالثورة لم تحدث تغييراً جذرياً في البنية المجتمعية، كما أنها لم تحدث تغييراً في نظرة الحكام الجدد إلى العالم كمستعمرين، فسرعان ما انتفضت شعوب المستعمرات الأمريكية ضد بريطانيا أواخر القرن الثامن عشر (1701-1800 ) فيما عرف بحروب الاستقلال أو الثورة الأمريكية، وهي نمط جديد من الثورة أنتجته فوضى العلاقات بين الدول. فقد نشب الصراع ثانية بين نواب الملك الذين يحكمون المستعمرات كممثلين للمصالح الإنجليزية، والمجالس النيابية الممثلة لمصالح شعوب المستعمرات التي تكاتفت حول شعار (لا ضرائب دون تمثيل)، وقد خاض متمردو المستعمرات مواجهات دامية مع الجنود الإنجليز انتهت إلى ظهور دولة جديدة أصبحت القوة الاستعمارية العظمى في العالم.

بين عامي 1798 و1799 جرت أحداث الثورة الفرنسية بعد أن طفح كيل الفرنسيين من الامتيازات التي يتمتع بها رجال الدين والطبقة الأرستقراطية، في الوقت الذي كانت فرنسا غارقة في الديون والجوع يأكل عامة الناس. أدت الثورة إلى القضاء على الإقطاع والملكية المطلقة، ونشوء جمهورية علمانية ديمقراطية على أسس ليبرالية، راحت تتحول شيئاً فشيئاً إلى عسكرية استبدادية، في حين كانت فرنسا تغزو عسكرياً أجزاء كبيرة من العالم. ومع ذلك فالثورة الفرنسية شكلت الأساس لانطلاقة ثورية حديثة على المستوى العالمي، ومع انطلاقتها تكرس مفهوم الثورة التقليدي وهو (قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة). لكن الثورة لم تصبح علماً من العلوم الاجتماعية إلا بعد ظهور التفسير المادي الجدلي للتاريخ في الفلسفة الماركسية.

ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى : قد يستغرب أو حتى يستهجن كثيرون من متصفحي مواقع الإنترنيت ورواد المكتبات اليوم استمرارنا في وصف الثورة الاشتراكية في روسيا بـ(العظمى)، بعد انهيار التجربة، وذلك لأن الصورة التي شكلتها في وعيهم الدعايةُ المعاصرة عن هذه الثورة مقلوبة ومشوهة للغاية، فهي تختصر نضال ملايين العمال والفلاحين الروس والآلاف من شهدائهم من 1905 إلى 1917 وكل ما أنجزته الثورة على الصعيدين الداخلي والخارجي بعد ذلك التاريخ، تختصره ببعض السلوكيات الملصقة زوراً بقادة الثورة. كتب دافيد نورث في تشرين الثاني 2017 على موقع الحوار المتمدن إن الروايات التاريخية التي لا تحصى قدمت البلاشفة على أنهم سفاكو دماء ومهووسين. لكن هذا لا يعكس الحقيقة على حد قوله وكتب عيسى دباح على الموقع نفسه في 20/3/2018 إن محطات التلفزة الروسية الحالية قدمت لينين كعميل للإمبريالية الألمانية، وستالين كلص بنوك. وأصبح معتاداً سماع مثل هذه الافتراءات والأكاذيب المضحكة لسخافتها التي لن تغير من أهمية ثورة أكتوبر الاشتراكية وتميزها وعظمتها، وتميُّز العهد الجديد الذي فتحته في التاريخ البشري كأول ثورة تصل بالعمال والفلاحين إلى حكم دولة تحولت في غضون سنوات قليلة إلى دولة صناعية عظمى تنافس دول الغرب حتى على غزو الفضاء وتبني علاقات اشتراكية وسط محيط من العلاقات الرأسمالية وما قبل الرأسمالية، وتشكل أملاً وسنداً لجميع الشعوب المستضعفة في العالم، وتحقق للجماهير العاملة السكن والطبابة والتعليم وضمان الشيخوخة والأمن الشخصي أي إنها لم تكن مجرد أحداث غيرت وجه العالم، بل كانت أعمق انقلاب اجتماعي في التاريخ.

كل ذلك بني على نظرية فلسفية تعتبر الثورة هي إنتاج الحياة الاجتماعية وإعادة إنتاجها، فالثورة في النظرية الماركسية هي نتاج التناقض الموضوعي بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، وهي تنتقل بالمجتمع من تشكيلاته القديمة البالية إلى تشكيلات جديدة متطورة، وهي تغيير جذري في حياة المجتمع. فماركس الذي اعتبر الثورة قاطرة التاريخ نبه في مؤلفه مع أنجلس (الإيديولوجيا الألمانية) إلى ضرورة نشوء جمهور ثوري لا يهبّ ضد بعض أوضاع المجتمع السابق وحسب، بل ضد إنتاج الحياة السابق ذاته، ضد النشاط الإجمالي الذي يقوم عليه هذا الإنتاج. وهو تنبيه في غاية الأهمية ويعتبر ميزة غير مسبوقة، فالثورة إذا من وجهة النظر الماركسية ليست اندفاعة تقودها العواطف الهوجاء بل النظرية الثورية العلمية، وهو ما تفتقر إليه كل تعاريف الثورة السابقة واللاحقة بما فيها التعريف المعاصر للثورة حسب ويكيبيديا الذي يحيي مفاهيم أكل عليها الدهر وشرب.

الثورات الملونة أو المخملية : صدرت مئات الدراسات التي حللت أسباب انهيار الكتلة الشرقية وتفاوتت بين تضخيم الأسباب الداخلية أو الخارجية للانهيار، وتلك التي اعتمدت على كلا الجانبين في التحليل، فالحقيقة أن تجربة الثورة الاشتراكية قد انهارت لأسباب ذاتية وموضوعية وأن الأزمة الداخلية شكلت المدخل السائب الذي اخترقت منه القوى الخارجية كافة دول الكتلة بتكنولوجيا مستحدثة ومبتكرة لثورات مصدرة من مراكز البحث الأمريكية عرفت بالثورات الملونة أو المخملية، وهو الطابع الجديد لعمليات تدمير منهجي للدول امتدت فيما بعد إلى كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، فما حقيقة هذه الانقلابات المخابراتية المسماة زوراً بالثورة؟

حين خرج كتاب جين شارب (من الدكتاتورية إلى الديمقراطية_ الأسس المفاهيمية للتحرر) إلى العلن عام 1993 فذاك لانتفاء الحاجة إلى سرية التعاليم الواردة فيه بعد تحقيق الهدف الأساسي منه، وهو تدمير الاتحاد السوفييتي وبلدان أوربا الشرقية، وجين شارب هو أستاذ للعلوم السياسية وعالم اجتماع ولد في أوهايو في الولايات المتحدة الأمريكية لأب يهودي وأم مسيحية، وأشرف على الأبحاث والدراسات الدولية في جامعة هارفرد، وأنشأ عام 1983 معهد ألبيرت أينشتاين الذي يعتبر منظمة متخصصة في إدارة التحركات المناهضة للحكومات حول العالم. وكتابه هذا هو المرجع الذي يدرس لخريجين من نشطاء (الثورات الملونة) للتحكم بوعي الجماهير. ومن يرغب بالاطلاع على التعاليم الواردة فيه فهي متوفرة بكثرة على مواقع الإنترنت، ويقول أحد مؤلفي كتاب تصدير الثورة ص51 إن هذا (النوع من العمليات التاريخية في مفاهيمنا عن التطور الاجتماعي تبدو رجعية أو ثورة مضادة)، مؤكداً الطابع اللاعقلاني لهذه الثورات التي تحطم بنى المجتمع، فالثورات الملونة تهدف لا لتطوير المجتمعات، بل لتُحلّ محلّ النخب الحاكمة فيها نخباً تابعة خادمة لمصالح الأمريكي.

خلاصة القول إنه من أجل مجتمع انساني متمدن حر وعادل وآمن، الثورة الاشتراكية هي الثورة الوحيدة الممكنة في الشرط التاريخي المعين حين نستفيد من دروس الماضي وإخفاقاته.

 

العدد 889 - 4/12/2019