عنف القانون أشدُّ وطأة على النساء

إيمان أحمد ونوس: 

من حينٍ إلى آخر، تُعقد الندوات والمؤتمرات، وتُقام ورشات العمل الرسمية وغير الرسمية تحت لافتات عريضة تحمل شعارات مُبهرة وربما مُحفّزة، حول أوضاع المرأة (المرأة والتنمية المستدامة، المرأة الريفية والبيئة، سيدات الأعمال، و…. الخ) وتستقطب جمهور المهتمين بشؤون المرأة والمجتمع، وأيضاً وسائل الإعلام والإعلان لتغطية هذه الفعّاليات وكأنها الحدث الأهم على الساحة، مُشيدة بما وصلت إليه المرأة من تطور ومساواة. وما إن تنتهي هذه الفعّالية أو تلك، ببيان ختامي يُعلن انتهاء الكرنفال الاحتفالي، حتى نعود إلى الواقع وقسوته ورتابته، وما فيه من تناقضات صارخة في بعض الأحيان مع ما كان يدور في قاعات هذه المؤتمرات، وذلك لعدة أسباب:

  • أن الموضوع يُناقش من زاوية واحدة، وضمن شريحة واحدة، وبمعزل عن المجتمع.
  • أن الخطط الموضوعة رسمياً ومؤسساتياً لا تتوافق مع الموروث والتقليد الاجتماعي، ولا مع الواقع الفعلي لحياة المرأة في أغلب الأحيان والمواضيع.

في حين يأتي اليوم العالمي لمناهضة العنف ضدّ المرأة كمناسبة للوقوف على معاناة النساء المُتمثلة بأنواع مختلفة ومتعددة من العنف الجسدي والنفسي والمعنوي وأهمها الاقتصادي …الخ، فهذا اليوم يُعتبر فرصة لحثَّ المسؤولين على اتخاذ كل الإجراءات والتدابير الكفيلة باستئصال هذه الظاهرة والقضاء النهائي عليها، إذ ما زالت المرأة هي الضحية الأساس لانتهاكات حقوق الإنسان سواء على المستوى العالمي أو الوطني.

ورغم أن لجنة الأمم المتحدة للمرأة كانت قد أقرّت بتاريخ 15/3/2013 إعلاناً تاريخياً يدعو إلى إنهاء العنف ضدّ النساء وحمايتهن من التحرّش الجنسي والاغتصاب، إلاّ أن هذا الإعلان قد قوبل حينذاك بمعارضة شديدة من قبل بعض الدول الإسلامية والفاتيكان، لكن المحادثات تكلّلت في النهاية بالنجاح، بعد أن توصلت الدول الإسلامية والغربية إلى صيغة لتجاوز خلافاتها للاتفاق على الإعلان الذي وصف بـ(التاريخي) وقد تضمّن مُدوّنة سلوك لمكافحة العنف ضدّ النساء.

ولكن، وإذا ما عُدنا أدراجنا ونظرنا إلى واقع المرأة السورية بشكل عام، خلال الحرب أو بعد أن انتهت تقريباً، نجد أنها تعرّضت وتتعرّض يومياً لعنف مُضاعف وفظيع بسبب تبعات تلك الحرب بكل ما حملته من ويلات بتنا نعرفها جميعنا، وقد عايشتها غالبية النساء حقيقة مرّة حين بقيت وحيدة تُعيل عائلتها بغياب الزوج والأب والأخ والابن، في ظلّ غلاء متوحش وبطالة فاحشة كانت وما زالت دافعاً لتوحّش ذئاب بشرية تريد أن تُشبع من ورائها نهم غرائز مريضة شاذّة حتى بات مشهد المرأة بصحبة أطفالها متسوّلة في الشوارع التي باتت مسكناً للبعض أمراً عادياً لم يعد يُحرّك الضمير أو الوجدان الاجتماعي أو الرسمي، ولا أولئك الداعين لمناهضة العنف ضدّ المرأة. فأي واقع تعيشه المرأة السورية وهي ما زالت رغم كل ما وصلت إليه أسيرة شرنقة موروث ذكوري يطغى على كل مناحي الحياة والحقوق بما فيها القانونية التي ما زالت تحفل بالعديد من المواد التمييزية ضدّ المرأة، وأهمها على الإطلاق قانون الأحوال الشخصية، الذي رغم كل محاولات تعديله مؤخّراً ما زال قانوناً ذكورياً بامتياز. وعليه، فإن واقع النساء في سورية اليوم يُمثّل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان ولكل المواثيق الدولية ذات الصلة بما فيها اتفاقية السيداو التي أُفرِغت من مضمونها الإنساني حين جرى التحفّظ على أهم المواد فيها في زمن التشدّق الدولي والمنظمات الدولية بحماية المرأة وصون حقوقها، فأين تلك المنظمات والحركات النسوية ممّا تعيشه وتُعانيه المرأة السورية حتى اليوم؟ وإلى أيّ حدٍّ يُمكننا اعتبار اليوم العالمي لمناهضة العنف والتمييز ضدّ المرأة مناسبة للتذكير والاحتفال فقط في ظلّ كل هذا العنف القائم اليوم!؟

العدد 889 - 4/12/2019