نريد قوانين عملية توقف شلال العنف ضدّنا

إيناس ونوس: 

يأتي الخامس والعشرون من تشرين الثاني من كل عام كمناسبةٍ للتَّذكير بوجوب مكافحة العنف ضدّ المرأة والحيلولة دون استمراريته، لاسيما أن الحال اليوم يشهد المزيد من أشكال وصور العنف ضدّها.

فما تعيشه المرأة السُّورية العاملة بحدّ ذاته يُعتبر شكلاً من أشكال العنف غير الملموس، فالضُّغوط النَّفسية والجسدية التي تعيشها المرأة داخل البيت وخارجه مُضافاً إليها تربية أبنائها ومتابعتهم دراسياً وتلبية كل متطلباتهم ومتطلبات الأسرة برمتها على مختلف الصعد، والقيام وحدها بكل المسؤوليات، التي من المفترض أن يتشارك بها جميع أفراد الأسرة، يُعتبر شكلاً من أشكال العنف المُمارس من قبل كل من يعيشون معها ويحمِّلونها فوق طاقتها، فقد أضحت المرأة تتحمَّل مسؤوليات شخصين إن لم يكن أكثر في شخصٍ واحد، داخل البيت وخارجه، فالحالة الاقتصادية المتفاقمة في تردِّيها تُجبر المرأة بحكم غياب الرجل أو عدم قدرته على العمل منفرداً على أن تبحث وبشكلٍ حثيث عن أيّ عمل إضافي تقي به من تعيلهم شرّ الحاجة، وهذا يُعرّضها لانتهاكاتٍ على المستوى الاجتماعي، فبعض الأعمال التي دخلت المرأة ميدانها لا يزال المجتمع رافضاً لها، ولذا فإن منظومة الأفكار المجتمعية تقف من هذه المرأة موقف القاضي من المتهم وكأنها ترتكب الفحشاء، مُغمضة الأعين عن الضَّرورة الملحَّة والحاجة التي دفعت بالمرأة للعمل بأيّ مجال، بدلاً من الانحناء لها إجلالاً لرفضها مدّ اليد للتَّسوّل أو الاتجار بجسدها أو استخدام أبنائها كوسيلةٍ للكسب والعيش، هذه الصُّور التي لم تعد تُحرِّك الضَّمير الإنساني البتة لكثرتها وانتشارها. وإن توقف العنف عند الحدّ المجتمعي فلربما قلنا إن من واجبنا العمل على تغيير تلك القيم، ومع الزَّمن يتمُّ تجاوزها، لكن وفوق كل هذا يأتي شكل آخر من أشكال العنف، يتمثَّل بتعامل أرباب العمل مع النِّساء، والنَّظر إليهن على أنهن أجساد للمتعة فقط، فيبدأ التحرش اللفظي ويتطور إلى الجسدي، وإن فكَّرت أو حاولت المرأة تحدي الوضع فإنها بكل بساطة ستجد الباب مفتوحاً بأوسع ممّا كان وقت دخولها، فيتلقفها الشارع بكل ما فيه، ولنا أن نتخيّل كل ما يمكن أن تتعرَّض له وقتذاك.

يُضاف العنف الجسدي المُتمثل بالضَّرب من قبل الذَّكر، إلى قائمة أشكال ومظاهر العنف الموجَّه ضدّ المرأة، خصوصاً أن غالبية نسائنا في الوقت الراهن لا مأوى لهن سوى ذاك البيت الذي يعشن ويلاقين فيه أبشع المسلكيات، بحكم العديد من الأسباب، وما عليهن إلاّ الصَّمت والخنوع لئلا يتعرضن للرمي في الشَّارع! وتأتي من جانبٍ آخر العقوبات والأزمات النَّفسية والاجتماعية الخطيرة التي طالت العديد من الزَّوجات اللواتي عاد أزواجهن أو بعض ذكور قبائلهن من الحرب، فتظهر العديد من مشاكل عدم التَّوافق أو الشكّ الذي يُبديه الزَّوج المُحتاج أصلاً إلى علاجٍ نفسيٍّ من الصَّدمات والأهوال التي رافقته في الحرب، لكنه لا يجد أمامه من منفذٍ سوى الحلقة الأضعف وهي الزوجة أو الأخت أو الابنة لتفريغ شحنات الغضب والانتقام في ظلّ غياب الرِّعاية الضرورية له ولأمثاله من قبل الجهات المعنية، فيبدأ مشوار المحاسبة والتّعنيف بدل الشُّكر والامتنان، لأنها وقفت صامدةً في أصعب وأحلك وأقسى الظُّروف، فيقع الطَّلاق في أفضل الحالات، وتعود المرأة أدراجها إلى جادّات المرارة الأولى حين هامت وحيدةً تحاول حماية نفسها ومن معها من حربٍ مجنونة، في حين يلجأ الزَّوج غالباً إلى زواجٍ آخر يُعيد له بعض رجولةٍ أو ثقةٍ لا تزال مُخلخلة.

في الوقت نفسه، فإن معاناة النِّساء اللواتي أُجبِرن بشكلٍ أو بآخر على ترك بلادهن ليست بأقلّ ممّا كانت عليه في الدَّاخل، بعضهن يتعرَّضن للقتل على يد الزوج، أو للطَّلاق وتركهنَّ وحيداتٍ في بلادٍ لا يُتقنَّ فيها أمراً يعينهن على مسؤولياتهن، بدل أن تتغيّر طريقة الحياة والتعامل بين الزَّوجين في مثل تلك الظُّروف.

أما الشَّكل الأشدُّ مرارةً وقسوةً ممّا يقع على عاتق المرأة، فهو ما تلاقيه من المرأة الأخرى المُتمثِّلة بزوجة الأب أو الأخوات أو الأم أو حتى الصَّديقة، فتتكرّس المقولة السَّائدة بأن العدو الأول للمرأة هو المرأة ذاتها، بدلاً من أن تقف النِّساء معاً متعاضداتٍ لمواجهة شتّى أنواع القهر والظُّلم التي تطولهن جميعاً وبلا استثناء!

لسنا بحاجةٍ إلى يومٍ عالميٍّ لمناهضة العنف يتمثَّل فقط بالشِّعارات وورشات العمل، في حين أن البيوت والقلوب المهمومة مغلقةً ولا أحد يدري بها، نحن بأمس الحاجة اليوم إلى الاعتراف أولاً وقبل كل شيء بأن هذه المرأة هي إنسان بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وبالتالي إلى خلق منظومةٍ فكريةٍ ننشئ عليها أبناءنا بأهمية هذا الإنسان وحقوقه، وإلى قوانين حقيقية عملية تحافظ على حقوق المرأة وتصون كرامتها، لا مجرَّد قوانين على الورق لا تجسيد واقعياً لها، إننا بأمس الحاجة إلى أن تعي الواحدة منّا ذاتها كإنسان، فتدافع عن حقوقها كاملةً بصوتٍ عالٍ غير خائفةٍ من العواقب.

أمام هذا الواقع الذي اجتزأت منه بعضه، كيف لنا نحن السُّوريات أن نُحيي هذا اليوم في ظلّ كل هذه الانتهاكات اليومية بحق النِّساء السُّوريات في الدَّاخل والخارج دون أن يرفّ جفنٌ أو يتحرّك ضميرٌ إنسانيٌّ عالميٌّ أو محلي!؟

العدد 889 - 4/12/2019