الشيراتون والأخضر… طلاق بائن!

ريم الحسين:

بعد الاجتماع النوعي الذي حضره كبار أصحاب رؤوس الأموال في فندق الشيراتون بدمشق_ مرغمين، بحسب التسريبات_ لإنشاء صندوق لدعم الليرة السورية، وإيقاف التدهور الحاصل في قيمتها، حدث مالم يكن بالحسبان، ذلك أن سعر صرف الدولار تابع ارتفاعه ارتفاعاً كبيراً وغير مسبوق، ولم يحدث في أكثر سنوات الحرب دمويةً، رافعاً معه أسعار كل ما يحتاجه المواطن الفقير، وترافقت هذه الارتفاعات الصادمة بصمتٍ مطبق من الحكومة ومن حاكم مصرف سورية المركزي.

أخبار الحرب، وخصوصاً أطماع العدو التركي المتربص لاستعادة خلافته العثمانية في المنطقة، وتحركات أبطالنا ومعاركهم في الشمال لم تعد ذات أهمية قصوى لدى الشعب الباحث واللاهث خلف قوت يومه بصعوبة وبشقّ الأنفاس، فهل حقاً يحقق العدو بالفشل الاقتصادي الذي نعانيه ما لم يحققه بالحرب العسكرية؟! وإن كان ذلك فعلى من تقع المسؤولية في هذا الفشل؟ هل هو الحصار الاقتصادي الذي لم يتوقف يوماً، وأصبح شمّاعة للفاسدين وعديمي الخبرة الاقتصادية، أم السبب هو الحراك الشعبي في لبنان والعراق ودول المنطقة؟ على الرغم من أن التراجع الحاصل بهذا الشكل بدأ بعد عيد الأضحى، ولم يكن وقتئذ يوجد أي حراك في محيطنا. وعلى فرض أن ذلك صحيح، فما الرابط؟ هل هو، كما صرح رياض سلامة حاكم مصرف لبنان، أن هناك أموالاً مودعة لسوريين، وقد فسّره البعض على أنها الأموال التي نهبها بعض المسؤولين وتجار الأزمات، والتي وُضعت في مصارف لبنان؟ لكن ما الرابط في كل الحالات؟ هذا مال منهوب لن يدخل البلد على أي حال!

ارتفاع سعر الصرف متعلق بالعرض والطلب، فلدينا فائض في الطلب وقلة في المعروض النقدي للعملة الخضراء. ومعرفة أسباب هذا هي التي تساهم في حل المشكلة ولو جزئياً، والمشكلة الأكبر على سبيل المثال أن الحاكم السابق كان يدلي بتصريحات كل فترة عن أسباب الارتفاع إن حدث، أو يتحدث عن الخطة لتجاوز هذا الارتفاع، وقد ثبت السعر لمدة سنتين، وكان يوازي وأحياناً يفوق سعر السوق السوداء، بينما يصرّ الحاكم الحالي على الصمت، أو يطلق تصريحات دون جدوى، كالتصريح المثير للجدل بأن هذا الارتفاع (وهمي)!

هل حقاً لم يعد بإمكان المصرف المركزي التدخل، بسبب نقص الاحتياطي بشكل كبير، وهذا طبيعي في بلد يعاني الحرب منذ تسع سنوات، وقام بعمليات تدخّل في السوق كثيرة فيما سبق، ولا يوجد أي رفد للعملة الصعبة على ميزان مدفوعاته، لأن الصادرات تكاد تقترب من الصفر! فمن أين ستُرفد الخزينة بالدولار؟ ولا ننسى تأثير الحوالات الواردة من الخارج لأهالي المغتربين، والتي كانت قادرة نوعاً ما على المساعدة، ونتيجة الفرق الكبير بين سعر المركزي وسعر السوق السوداء فضّل هؤلاء عدم إرسالها عن طريق القنوات الرسمية، حتى لا تخسر نصف قيمتها، لأن المواطن يدفع ثمن كل شيء بسعر السوق السوداء وليس بالسعر الذي حدده المركزي! فضلاً عن التلاعب بالسعر من قبل تجار الأزمات وميلهم إلى جمع ثروات هائلة دون أدنى شعور بالواجب الوطني والانتماء، وبضرورة الوقوف إلى جانب وطنهم في هذه المحنة، ذلك أن التجارة لم تعد إلا تجارة مرافق ومعابر ومحسوبيات وتهريب وما إلى ذلك من ممارسات تضرّ بالاقتصاد الوطني، وربما آليات الردع قاصرة عن وضع حد لهؤلاء!

في الحروب تنغلق الدول على ذاتها وتعيد ترتيب بيتها الداخلي بما يتناسب مع متطلبات المرحلة، وتعتمد على الإنتاج الوطني قدر الإمكان، فكيف في بلد أنهكته الحرب تجد مئات السلع الكمالية غير الضرورية، وهي مستوردة طبعاً بشكل غير شرعي، تملأ المحلات. هل التهريب وإخراج الدولار بهذه الطريقة كان عائقاً أيضاً بدل أن يُستثمَر هذا القطع في استيراد السلع الضرورية، أو على الأقل المحافظة على هذا القطع داخل البلد منعاً للوصول إلى هذا النقص الحادّ!

ولماذا لا يتحقق فعلاً إقلاع المعامل التي توقفت وتجري صيانتها وتبدأ بالإنتاج، بعد أن قدم أبطال هذا الشعب الدماء لتتحرر تلك المناطق من الارهاب؟

نحن هنا لا نتكلم عن إعادة إعمار، وإنما عن أمن غذائي وطني، بحيث تتوفر السلع المحلية ومحاولة فتح قنوات تصدير ولو كانت ضعيفة في البداية، لكن مجرد حركة اقتصادية يتبعها خطوات!

وبعد أن أوقف المصرف المركزي تمويل المستوردات، هناك بعض الأخبار التي تقول بفتح صندوق الدعم لتمويلها، فماذا سيحدث للأسعار المرتفعة أصلاً؟ فقد كان الاستيراد يُحسَب بسعر المركزي والبيع بسعر السوداء!

توجد عشرات التحليلات الاقتصادية لما يحدث، ربما يأخذ بعضها طابع الحقيقة أو الدقة وبعضها لا، لكن السؤال المطروح: هل المواطن حقاً بحاجة فقط إلى التحليلات؟ ولماذا لا يكون التعامل بشفافية مطلقة وتوضع النقاط على الحروف؟ فبعد كل ما حدث لم يعد هناك مشكلة في أي بلبلة قد يحدثها أي تصريح، على الأقل لناحية المستقبل المرعب الذي يراه المواطنون جاثماً أمام أعينهم وهم لاحول ولا قوة بالحاضر، في وضع معيشي صعب مخيف.

لا تهدروا دماء الشهداء ولا جراح أهاليهم وجراح هذا المواطن الذي لا تعنيه ألعاب الكبار والنظام العالمي الجديد، وهو غير قادر على تحمل تبعات أن يكون أداة للوصول إلى هذا النظام، وقد تحمّل الويلات وبقي على العهد والانتماء، لاقتناعه بحجم المؤامرة التي يتعرض لها وطنه. لكن ما دام هناك وجوه للفساد تسرح وتمرح أمام جوعه وتعبه، فلا تطلبوا منه الصمود حتى يتم إعادة ترتيب الملفات وقوى السيطرة، فهو لا ناقة ولا جمل له في كل هذا الخراب إلا الأضرار السيئة والسلبية، دق ناقوس إنذار الخطر وهذه المرة غير سابقاتها وما يحدث من فوضى متجددة في دول الشرق الأوسط خير دليل، فهل نتعظ؟

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

 

العدد 889 - 4/12/2019