نحو المؤتمر الثالث عشر للحزب الشيوعي السوري الموحد.. على أبواب انعقاد المؤتمر

سامي أبو عاصي:

أيام قليلة تفصلنا عن انعقاد المؤتمر الثالث عشر للحزب الشيوعي السوري الموحد، الذي يشكل انعقاده محطة هامة في مسيرة الحزب تستوجب التوقف عندها وتباين الرؤية حيالها سواء ما يتعلق منها بالبنيان الداخلي التنظيمي أو ما يبنى عليها من موقف سياسي واضح، يُنسج من الوطني والطبقي والديمقراطي.

إن صيانة البنيان الداخلي للحزب يعتبر اليوم مهمة ملحة تحتاج إلى جهد حثيث وتواصل مستمر مع كلّ قواعده، من أجل الخروج من الهوة التي وقع فيها الحزب كغيره من التنظيمات السياسية مطلع انطلاق الحركة الاحتجاجية في سورية. فمما لا شك فيه أن الحزب لم ينقسم، ولكن للأسف فقد خسر كوادر مميزة وقفت على الجانب الآخر، وتمايزت آراؤها عن الخط السياسي العام للحزب الذي صاغه على مدار السنوات الثماني الماضية. لذلك فإن إيجاد منصة حوار مع المتمايزين بطرحهم عن الرؤية السياسية للحزب، لا بد أن يكون على جدول مهمات أعمال المندوبين.

(أسود على أبيض كتبنا) عبارة يرددها رئيس اللجنة المركزية للحزب الرفيق نبيه جلاحج، عندما يسرد مواقف الحزب حيال جوانب الخلل الداخلية التي كانت تسود في البلاد، في دلالة على أن حزبنا كان يقيّم وبشكل موضوعي مجريات الأحداث. (أسود على أبيض) كان موقفاً واضحاً وصريحاً بالمطالبة بتغيير الصيغة السياسية التي حكمت البلاد على مدار عدة عقود، وهذا كان مسنوداً بإنذار وتوجس من أذرع القوى الخارجية المترصدة للانقضاض.

أسود على أبيض، ثم يُشير رئيس اللجنة المركزية إلى أنه وللمرة الأولى فإن القيادة لم تنقسم في تقيمها لمجريات الأحداث. فالانقسامات التي نشأت في مسيرة الحزب كان لها بدايات أفقية تبدأ من رأس الهرم (المكتب السياسي واللجنة المركزية) وينتقل تأثيرها عمودياً إلى قواعده. أما خلال السنوات الثماني الماضية، فقد حافظت القيادة (رغم التباين في وجهات النظر في داخلها) على موقف موحد أمام قواعدها.

ورغم هذا فإن الواقع المرير يفرض نفسه، وأسئلته المتزايدة تفرض على الحزب في مؤتمره الثالث عشر أن يجيب عنها. فإن كان الحزب قد نجح في أوقات سابقة في تأجيل الخوض في غمار بعض القضايا، فإنه اليوم بات من المستحيل تأجيلها أو دفعها نحو الأمام عما كان سائداً فيما سبق.

ومن ذلك قضية التحالفات، وقد ظلّت هذه المسألة، منذ اليوم الأول لتوقيع ميثاق الجبهة حتى يومنا هذا، مثارَ جدل ونقاش واسع داخل صفوف الحزب، وفي الوقت ذاته، ظلت نقطة متقدمة للهجوم من الصفوف الموجودة خارج الحزب. ولم تستطع المؤتمرات السابقة للحزب وما خرج من وثائق عنها أن تحل هذه المعضلة. أو ربما كانت الممارسة السياسية اليومية تكرس وجود الخلل وتنبه إليه أكثر. فقد يكون النص صريحاً بقوله (الحفاظ على وجه الحزب المستقل). ولكن الصيغة السياسية التي تدور البلاد في فلكها، والتي يطالب الحزب بتغييرها، فرضت عليه في كثير من الأحيان أن يتحايل عليها لكي يحافظ على كيانه ولا يتشتت.

حتى أن فكرة تشكيل تحالفات إضافية موازية للقائمة حالياً أمر ما زال غير قيد الإنجاز. رغم أن المؤتمر الثاني عشر قد أوصى بأن يخطو الحزب هذه الخطوة بتشكيل جبهة ديمقراطية علمانية (لمواجهة الفكر المتطرف التكفيري ولمواجهة الفكر الليبرالي) فإن السنوات الأربع الماضية لم تكن كافية لأن يبادر الحزب لتبني هذا الموقف. واليوم تعود وتدرج هذه الفكرة ضمن أولويات الحزب، وتأخذ صياغة جديدة تقدم في مسودة وثائق المؤتمر الثالث عشر، بالدعوة إلى قيام حركة شعبية ديمقراطية تقدمية.

المسألة الأخرى تتعلق بالحياة الديمقراطية داخل الحزب، وهي تبرز كمسألة جوهرية. وسوف يكون للنموذج الذي سيخرجه المؤتمر عميق الأثر على مسار تطور التجربة الديمقراطية داخل الحزب. فمما لا شك فيه أننا بحاجة إلى عملية تواصل ما بين القديم والجديد. فالقطع في ظل الظروف الحالية التي تمر بها البلاد والحزب أمر يتعسر تنفيذه. فلقد أقدم المؤتمر العاشر للحزب على خطوة نوعية كان لها أثرها الداخلي والخارجي، وكانت مثالاً يستشهد به في الحركة السياسية في البلاد. واليوم نحتاج إلى إيجاد جسر يحافظ على تلك المكتسبات الديمقراطية التي تعززت في مؤتمرات الحزب المتلاحقة، ويترافق بتدعيم مصون بخبرات كوادر ما زالت قادرة فكرياً وعملياً لأن تتابع جهدها في سبيل إيصال الحزب إلى بر الأمان.

95 عاماً تجربة طويلة لا يمكن لأحد أن يستهزئ بها أو أن يقلل من حضورها في الحياة السياسية للبلاد، تحتاج لكي تستمر وتمضي إلى أن تقدم أفكاراً ورؤى جديدة خلاقة غير مألوفة. ومما لا شك فيه أن لدى الحزب خبرات وكوادر قادرة معرفياً على إنتاج هذا الخطاب، خطاب يتسم بالعقلانية والجرأة والشفافية، خطاب جذاب عصري، خطاب يرسم خطوطاً واضحة المعالم تحت عنوان عريض: ماذا يريد الشيوعيون السوريون؟

العدد 899 - 19/2/2020