في ضرورات إعمال العقل النقدي:

عباس حيروقة:

إن لمن البداهة والنباهة أن تفيد الدول والشعوب من تجارب بعضها، فتعمل على تطوير أدواتها ومشاريعها بعد أن تكون قد قرأت التاريخ أيضاً قراءة نقدية تمكنها من تجاوز هناتها ونكباتها، فكيف بنا نحن كسوريين عشنا ما عشناه من سنوات عجاف أتت على الأخضر واليابس، فطال الموت والدمار والخراب كلّ شيء، والبكاء والعويل كل ذي روح ونفس.

كيف لنا نحن السوريين ألّا نفيد مما أصابنا وما زال من مواتٍ مديد، ونكون بحجم تلك الأسئلة الكبرى (أسئلة العقل، أسئلة الوطن، المواطنة، الثقافة، الحرية، القانون، المؤسسات، الدين)؟!

إن لم نكن نمتلك القدرة على طرح الأسئلة الأهم وفي هذه المرحلة بالذات وبعد مضي كل هذه السنوات التي طالنا فيها كل هذا الخراب والموت والدمار، فسنكون بحق كما قالها ذات يوم أفلاطون: إما مجانين أو متعصبين أو عبيداً (نحن مجانين إن لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إن لم نرد أن نفكر، وعبيد إن لم نجرؤ على التفكير).

لا يمكن تقديم قراءة متأنية متمعنة حقيقية ناجعة، إن لم نكن نجيد قراءة مفردات ما كنا عليه قبل الحرب لعقود مضت قراءةً نقدية جادة.

قراءة الماضي، – الما قبل الحرب، بمفردات وبأدوات نقدية نابعة من هاجس واحد وحسب هو النهوض بالوطن وبالمواطن، قراءةً نقدية كفيلة بوضع اليد على الجروح والقروح والدمامل التي تكاثرت في الجسد السوري الغض.

قراءة الأسباب التي قادت وأدت إلى اندلاع تلك الحرب (الحرائق) في البيت السوري بعيداً عن نظرية المؤامرة، وما من شك أن ثمة سياسات أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها فاشلة شكلّت الأسباب والمسببات التي ساهمت بتهيئة التربة الخصبة لبذور الفتنة والحرب والتدخل الخارجي.

منها على سبيل المثال لا الحصر حال التعليم، بكل مراحله، وفساد سياساته، فنلاحظ أن لا سياسات واضحة كفيلة بالاستيعاب الجامعي، ولا سياسات حكومية باستيعاب خريجي الجامعات الذين أصبحوا بلا عمل في الشوارع والساحات، فتلقفتهم تلك الأيادي التي كان وما زال لها مصلحة في خراب سوريتنا.

إضافة إلى سياسات الفساد والإفساد التي سادت معظم القطاعات، إن لم نقل جميعها سيما الاقتصادية، فكنا نرى ثروات البلد تُسرق وتُهرّب وعلى عينك يا تاجر، كما يُقال، وبرعاية شبه رسمية من قبل مافيات الاقتصاد والتجارة، مما دفع المواطن السوري إلى بوابات السفارات طالباً الهجرة، والتوزيعُ غير العادل للثروات ولّد الاستياء والقهر وخلّف طبقات طفيلية تطاولت فطالت أعناق العباد ورزق العباد في ضوء العوز الذي كان يعانيه نسبة كبيرة منا كسوريين.

كل هذا وذاك تنامى وتطور في جوٍّ غاب فيه صوت النقد والعقل، وغاب القانون وسيادته، فمَن مِن مصلحته تغييب القانون والتجاوزات هنا وهناك؟

ومَنْ مِنْ مصلحته غياب صوت الحق والنقد والإشارة إلى الخطأ؟

مَنْ مِنْ مصلحته عدم وجود رأيٍ مختلف مغاير معارض، والمعارضة هنا من باب الاستحقاق السياسي الوطني، المعارضة الوطنية الحريصة على مصالح الوطن والمواطن… الخ.

أسباب ومسببات عديدة لسنا في وارد تعدادها، ولكن يمكن القول إن ثمة فشلاً ذريعاً وكبيراً ومهيباً لنا جميعاً كمؤسسات وكمثقفين وكأحزاب يسارية وتيارات فكرية تنويرية، إن صح التعبير.

نعم، مسؤولية ما حدث نتحملها جميعاً كلٌّ من موقعه.

ما من متابع عاقل إلا ويدرك أن المعركة والحرب هي حرب ثقافة.

طرفها الأول: ثقافة الانتماء للوطن بكل مقوماته ومكوناته (القانون، المواطنة، الحرية، التعددية، التشاركية، ثقافة المؤسسات…الخ.

وطرفها الثاني: ثقافة الانتماء للدين، التعصب للطائفة، للعشيرة، الفساد، الإفساد، الإلغاء، التغييب، القمع، العقلية الأمنية، …الخ.

ثقافة الانتماء والانتصار للخير والحب والجمال والحرية والقانون، مقابل ثقافة مضادة طافحة بالشر والحقد والقبح والقمع والعبودية.

بعد كل هذا وذاك علينا أن نعيد قراءة واقعنا السوري بمفردات مغايرة وبمرجعيات مغايرة أيضاً، قراءة الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن.

علينا أن نكون بحجم تلك الدماء التي أُريقت بكل قداسة على تراب سوريتنا النور لتبقى، ونبقى.

ها هي ذي الحرب في طور الانتهاء، أو بدأت ترتسم ملامح الانتهاء لها وستنهض سوريتنا كفينيق جديد من تحت الرماد.

فمن باب الوفاء لأولئك الشهداء، للقوافل المسربلة بالنور وبالضوء وبالينابيع، أن نمتلك الجرأة على الصراخ بوجه القبح والخراب والفساد.

من باب الوفاء لأولئك الشهداء أن نتذكر أو ألا ننسى وصاياهم المقدسة الخاصة بالوطن وبالأمهات وبالآباء والأبناء.

علينا أن نكون بحجم ولو قطرة دم من دمائهم الذكية التي رسمت لنا ملامح صباحات قادمة أكثر دفئاً وأمناً وسلام.

على حكوماتنا القادمة أن تكون بحجم صرخة تلك الأم العظيمة التي تستقبل تابوت ابنها الملفّع بعلم البلاد وهي تلوح بشالها مزغردة قائلةً:

هذا هو ولدي، إنه الشهيد الخامس ولم يبقَ لي سوى ولد واحد هو فداء لسورية أيضاً!

على الحكومات أن تكون بحجم تلك الصرخات والزفرات لأم الشهيد، ولابن الشهيد وزوج الشهيد.

فإن لم نكن نحن المثقفين نمارس ما نطالب به غيرنا بممارسته وتطبيقه، فسنكون حكماً آنذاك نعاني من فصام حقيقي.

كيف لنا أن نحاضر بالنقد ونتخلّف عن ممارسته تحت ذرائع وحجج واهية أضعفها الجبن أو مراعاة مصلحة لنا هنا وعلاقات هناك؟

كيف لنا أن نحارب الفساد والإفساد في كل مؤسسـاتنا ونتستر عليه هنا لا بل وندعمه؟!

كيف لنا أن نحارب الشعارات الكاذبة الفضفاضة ومطلقيها ونكشف من يتستّر خلفها، أما هنا فنمارس الدور ذاته من التخفي خلفها والتنظير بها وعليها؟

كيف لنا أن نحاضر بثقافة الانتماء للفكر وللعقل وللوطن وما إن نسمع قرع طبل حتى نباهي بالاصطفافات الطائفية والعرقية والاثنية والعشائرية، متنكرين وناكرين لكل المؤلفات والمحاضرات التي ناءت بها رفوف مكاتب مراكزنا الثقافية وفروع اتحاداتنا؟

كيف لنا في جمهوريتنا العربية السورية وبحزبها العلماني (حزب البعث العربي الاشتراكي) إن لم نقل الحاكم، يمكن أن نقول إنه ذي الأكثرية من بين الأحزاب، أن يقبل ونقبل نحن ككتاب وكمثقفين وكسياسيين، بل وأن نصطف في تجمعات ذات طابع ديني (التجمع الشبابي الإسلامي_ القبيسيات)، وبالتالي يمكن لنا أن نجيز لكل الأديان والطوائف تشكيل أحزاب ذات طابع ديني؟! ولنا أن نتصور حال شبابنا بعد عقد أو عقدين من الزمن ونحن الذين نعرّف أنفسنا بأننا دولة مؤسسات؟!

كيف لنا أن ندّعي ونحاضر بانتصارنا، كمثقفين، للخير وللحب وللجمال وللحق، ولكننا على الملأ تجدنا نطفح بالقبح وبالشر وبالباطل؟؟

كيف وكيف من أسئلة استنكارية أكثر مما هي استفهامية؟!

العدد 895 - 22/1/2020