الاتّجار بالدين.. فرمانات أردوغان نموذجاً!

د. صياح عزام:

لم تعد ألاعيب السلطان (أردوغان) تنطلي على أحد، سواء أكانت على الشعب التركي أم على العرب والمسلمين، خاصة عندما يصبغ غزواته وتدخلاته المشبوهة في سورية بالدين، أو يطلق عليها أسماء برّاقة وخادعة مثل (درع الفرات، وغصن الزيتون، ونبع السلام). وللعلم فإن الاتجار بالدين يشهد رواجاً كبيراً بعد أن اختارته أنظمة الحكم والدول وسيلة لتنفيذ مخططاتها وممارسة الدجل السياسي على شعوبها والشعوب الأخرى، بعد أن استفادت من الشعوذة والفتاوى المشبوهة والكاذبة التي تركت آثاراً على قطاعات واسعة من الرأي العام، ممن يفتقدون للوعي، ويعجزون عن التفكير الصحيح وإعمال العقل، وبالتالي يتم اقتيادهم وتسخيرهم لتنفيذ أجندات مغرضة تخدم أعداء أوطانهم وأعداء البشرية والإنسان.

الاتجار بالدين أصبح مهنة اختارها البعض ممن يحلمون بالتأثير في الآخرين، ويكون لهم مريدون وأتباع يلتفون حولهم كالتلاميذ من الصغار أو الكبار والمسلوبة عقولهم والمستعدين لارتكاب أي عمل أو جريمة، بذريعة المحافظة على الدين وإعلاء شأنه، بعد أن أقنعتهم أنظمة الحكم ودوائر الإفتاء أنه بالإمكان عن طريق الدين تخدير الشعوب وتحقيق طموحات خارج دولهم، وتكوين إمبراطوريات على غرار إمبراطوريات الزمن الغابر.

لهذا صار كثير من الجرائم تُرتكب باسم الدين، وكثير من الأوطان تُسرق أو تُدمر، وكثير من الأرواح تزهَق باسم الإسلام، كما يفعل (السلطان أردوغان) وهو أحد تلامذة حسن البنا وسيد قطب، وقد لجأ إلى الاتجار بالدين الإسلامي.

فإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية تبنّت شعار (الإسلام هو الحل) كشعار لتضليل الجماهير والتغلغل في صفوف ونسيج الشعوب، فقد اختار وريث الإمبراطورية العثمانية البائدة الدين الإسلامي لاستعادة إمبراطوريته التي أورثت العرب وغيرهم كل ما هور رديء وظالم من فقر واستبداد ومرض وتخلف، وعلى سبيل المثال سنسوق فيما يلي بعض الشواهد والأدلة على ذلك.

– لقد أطلق أردوغان على جيشه الذي غزا شمال شرق سورية اسم (الجيش المحمدي)، محاولاً استغلال اسم الرسول الكريم رسول الحق لتحقيق مآربه البعيدة عن الحق، ولقتل الناس وتهجيرهم من أرضهم. إذاً، استخدم اسم النبي الكريم محمد عليه السلام لإطلاقه على جيشه القاتل المحتل!

– كلّف أردوغان وزارة الأوقاف التركية والدوائر التابعة لها بإجبار الناس على قراءة سورة الفتح يومياً في جميع المساجد التركية بعد صلاة الفجر، والدعاء للجيش التركي بالانتصار وسلب أراضي الجيران واحتلالها!

– أصدر أردوغان فرماناً عثمانياً يقضي بترقية أي جندي يحفظ القرآن الكريم إلى رتبة ملازم أول، ليصبح ضابطاً من دون أن يحصل على التدريب أو العلوم التي تؤهله لذلك، وهذا يشير إلى أن هدف أردوغان من ذلك تربية جيشه تربية عقائدية لا وطنية، وهذا هو نهج المجموعات الإرهابية مع مسلحيها. وقد ذكرت آخر الأنباء التي سربتها بعض وسائل الإعلام أن عدد الجنود الذين حفظوا القرآن ونالوا هذه الرتبة أو الامتياز بلغ 40 ألفاً، ويطمح أردوغان إلى إيصال هذا العدد إلى 100 ألف ليكونوا نواة جيشه لاستعادة الإمبراطورية العثمانية البائدة!

إذاً ليس مستغرباً أن يفعل أردوغان كل ذلك مسخّراً الدين الإسلامي لتحقيق تطلعاته السياسية والشخصية على حساب حقوق الشعوب الأخرى!

– أيضاً يستخدم أردوغان الدين كأداة لمواجهة مشاكله الداخلية، وكان آخرها إقحام الدين في مسألة انهيار الليرة التركية، فقد وصف في خطاب ألقاه قبل عيد الأضحى، وصف أزمة العملة التركية التي شهدتها البلاد بأنها هجوم على الاقتصاد التركي لا يختلف إطلاقاً عن الهجوم على الأذان وعلى الصلاة وعلى علم البلاد!

وهكذا يتضح أن ما يفعله أردوغان في الشمال السوري وما قام به من عمليات عسكرية عدوانية، بذريعة محاربة الإرهابيين الأكراد كما يسميهم، بدءاً من درع الفرات وغصن الزيتون وانتهاء بما أسماها (نبع السلام)، مروراً بعمليات التتريك في المناطق التي سيطر عليها جيشه، وبتغيير البنية الديموغرافية فيها، كل هذا ما هو إلا بداية لتحقيق حلمه باستعادة الإمبراطورية البائدة تحت غطاء ديني.

ومما يلفت النظر في خطوات أردوغان هذه، خاصة اتجاره بالدين، أنه يسير على نهج صديقه الإرهابي نتنياهو الذي اتخذ من الدين اليهودي أداة لتحقيق مآربه السياسية وإقامة دولة إسرائيل الكبرى، وعلى نهج الرئيس بوش الابن الذي دمّر العراق باسم الصليب، وعلى نهج جماعة (الإخوان الشياطين) وتوابعها من المجموعات الإرهابية مثل داعش والنصرة وتنظيم القاعدة وما لفّ لفها من طيور الظلام والوحوش الكاسرة الملتحية.

بطبيعة الحال، الدين الإسلامي بريء من أفعال أردوغان، هذه الأفعال التي تذكر بما قاله سلامة موسى قبل نحو قرن من الزمن في كتابه (حرية الفكر وأبطالها في التاريخ) إن الاضطهادات التي وقعت باسم أي دين في التاريخ ليست عيباً على الدين في ذاته، ولكنها شهادة تاريخية على ما يمكن أن يفعله حاكم أو جماعة، حين يسخّر الدين لأغراض سياسية.

 

العدد 886 - 13/11/2019