منهجية التفقير والتجويع … إلى أين تقودنا حكومتنا الموقرة؟!

سليمان أمين:

بين صعود الورقة الخضراء وهبوطها تكمن إشاعات وإشاعات لا تحصى، يكذّبها الواقع المعيش، الذي بات كابوساً يراه المواطنين بشكله العلني الجلي كشمس الصيف الحارقة، فلم تعد سياسة تخفيض سعر الصرف ودعم الليرة الذي يصرح بها مسؤولو مؤسساتنا ومعهم بعض أثرياء التجارة الخارجية والداخلية المتحكمين بكل الأسواق والمواد الاستهلاكية وغيرها سوى فقاعات من الصابون التي سرعان ما تنفجر وتختفي.

مرت أسابيع سمعنا خلالها عشرات التصريحات حول تخفيض سعر الدولار ودعم الليرة السورية وغير ذلك من إجراءات سوف تتخذها الحكومة والمركزي، ولكن هيهات لهذه التصريحات أن تكون لامست ولو قليلاً واقع السوريين المعيشي، بل حولته إلى أسوأ حال مما كان عليه، فقد تضاءل وجود كثير من المواد الاستهلاكية  الأساسية في السوق، بعد أن ارتفع سعرها في الآونة الأخيرة، وسجلت ارتفاعاً جديداً وقلّت كميتها إلى أدنى مستوى في سوق المستهلك، فهل احتكرها التجار أم البضاعة محجوزة لم تمنحها الاقتصاد و التجارة الخارجية إجازات استيراد ليدخلها التجار إلى سوق المستهلك؟!

 

الهبوط الوهمي للدولار

تتداول صفحات التواصل الاجتماعي كثيراً من نشرات سعر صرف الدولار في السوق السوداء، كما تليها كثير من التصريحات حول خفض الدولار ودعم الليرة السورية، لكن واقع السوق يناقض هذه الأخبار المتداولة كما ينفي وعود الحكومة بتخفيض الدولار، فواقع سعر الصرف مازال متأرجحاً بين 635 و 660 ليرة سورية، وليس كما يقال إنه ليس هناك إقبال على الدولار، فلو لم يكن هناك إقبال لما كان سعر صرف الدولار في السوق السوداء بهذا المستوى من التسعيرة، بل كان هبط لأدنى من 600 ليرة سورية، وهذا الترجح غير الثابت لسعر الصرف انعكس بشكل سلبي كبير جداً على السوق السورية، لم يحدث مسبقاً خلال أسوأ سنوات مرت على المدن السورية ومواطنيها، وهنا نتساءل: من المستفيد من هذا التلاعب الكبير في سعر الصرف؟ ومن يقف وراء التسعيرات الوهمية والإشاعات التي تصدر يومياً في صفحات وطنية ومواقع إلكترونية وغيرها؟ أليس لدى الحكومة قانون يجرم الإشاعات الإلكترونية ومصدريها!؟ أم أن هناك قوة مستفيدة من هذا التخبط الكبير؟

السوق جمود وفقدان للمواد الأساسية

تأثر سوق المستهلك تأثراً كبيراً جداً بالتخبط الحاصل في سعر الصرف، فقد أدى التخبط الحاصل في بورصة السوق السوداء إلى حالة جمود وركود في الأسواق السورية، وبدأ المواطنون يلمسون هذا الشيء بشكل واضح. فأغلب المنتجات الأساسية قد سجلت ارتفاعين وثلاثة خلال أقل من شهرين، ولم تقف الحالة عند ارتفاع الأسعار بل أدت إلى تضاؤل وجود الكثير من المواد الاستهلاكية الأساسية في السوق وخصوصاً الزيوت النباتية التي سجلت ارتفاعاً جنونياً، كما جرى اختفاء بعض الأصناف. وفي حديث لنا مع بعض التجار الصغار وأصحاب المحلات عن قلة الزيوت قالوا إنهم لا يعرفون سوى أن بعض الزيوت غير موجودة حتى في الشركة المصنعة لها وفق ما يقوله لهم الموزعون ووكلاء الشركات، وقد عزا بعض التجار ذلك إلى أن الكثير من المواد المستوردة كالزيوت هي (موقفة) لم تمنحها الوزارة إجازات استيراد لتدخل السوق السورية، ولا نعرف ما إن كان هذا صحيحاً أم لا، ولكن إن كان صحيحاً فيمكن أن نقول إن الحكومة بدأت حربها العلنية على المواطنين باتباع منهجية التجويع وتفقير سوق المستهلك من الحاجات الأساسية وحصر إجازات الاستيراد ببعض التجار الكبار، وهنا تكمن كارثة جديدة على المواطنين السوريين مع قدوم فصل الشتاء، لا نعرف مدى خطورتها.

ولم يقف ارتفاع المواد الأساسية عند الزيوت بل شمل المنظفات بأنواعها والسكر والسمون والطحينة واللحوم والدواجن وغيرها الكثير من المواد الاستهلاكية.

 

ختاماً

الحالة العامة للمواطنين السوريين وسوقهم الاستهلاكي  سيئة جداً مع غياب المعالجة والحلول الحكومية، وغياب خطط تنفيذية، وعدم تطبيق القانون على التجار الكبار المحتكرين للسوق، ولا تمنح وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية إجازات استيراد بشكل عادل لكل تاجر لديه قدرة على استيراد المواد الأساسية، كما تمنح الصناعيين الصغار إجازات استيراد للمواد الأولية، وتخفيض الرسم الجمركي على المواد الأساسية لحياة المواطنين، لا زيادة الرسوم عليهم، فلم تعد رواتب الموظفين تكفي لتسديد رسوم الخدمات الحكومية التي لم ير منها شيئاً المواطن بل سمع بها ومنهم من لم يسمع بها إلا عند تسديدها، فحكومة اليوم يجب أن تضع خططاً لبناء المجتمع وإعادة تأهيله بشكل سليم وتأمين كل ما يلزم المواطنين ويخفف عنهم وطأة سنوات الحرب، لا أن تصبح حكومة لجمع الأتاوات من جيوب المواطن وتفقيره وتجويعه!

يجب أن يستفيد الجميع مما يحصل في البلدان المجاورة وخصوصاً مسؤولي مؤسساتنا، فالبلد للجميع ولمن يعمل على بنائها ويحترم قوانينها ودستورها.

 

العدد 886 - 13/11/2019