في الأخلاق والمصلحة الوطنية؛ الجيش السوري و”قسد”

صفوان داؤد:

لاشك أن بعض من تورّط في الحرب السورية كان قسراً وكرهاً عنه، ليس بدافع غريزة البقاء وحسب، بل أيضاً حفاظاً على حق حياة اهله ومجتمعه بالبقاء. وثمًة من دخل هذه الحرب مهووساً بالسلطة والقوة وقهر الآخرين وسلبهم حتى حقهم في الحياة والوجود، كما فعل وأراد (تنظيم الدولة) في الشرق السوري، ومدمنو السلطة في اماكن أخرى من البلاد، مُقدمين العنف على السياسة، دون أن يدركوا، بقصد أو عن غير قصد، أن الكرامة الإنسانية هي العنوان الأسمى، وأن العنف ليس سوى (سلطة متدنية النوع) على ما يقول المفكر آلفن توفلر. ومهما تنوّعت مسارات الحرب وأشكالها والخلفيات العقائدية والايديولوجية للمتورّطين فيها، فإن الجميع من أبناء سورية ومن كل الأطراف كانوا ضحايا لها، لأن الحرب السورية بعد تسع سنوات قد أثبتت من ثمارها الفاسدة أنها خديعة كبرى، ومازال بعض السوريين يلعبون فيها دور البيادق.

لقد شكّل الوجود الأمريكي مصدر تهديد وقلق لموسكو في سورية. وتزايدت هذه المخاوف بعد إقامة قواعد أمريكية في مناطق من شرق سورية ودورها المباشر على القوى المهيمنة على القرار الكردي، بحيث كان من الصعوبة بمكان دعم موسكو للقوى الوطنية الكردية وغير الكردية في سياق ترتيباتها للحل السياسي للمسألة السورية. لكن مع انسحاب الجيش الأمريكي المفاجئ (ظاهرياً) وإطلاق عملية الاجتياح التركي، حقق الروس مكسباً هائلاً بتواصلهم المباشر مع قوى سياسية وبشرية في تلك المنطقة، كانت حتى وقتٍ قريب خارج سيطرتهم. لكن ما الذي سيعنيه قبول الكرملين بماهية عملية (نبع السلام) وأهدافها في شمال سورية؟ وما هو الثمن الذي ستطالب به موسكو مقابل اقتطاع أنقرة لجغرافيا سوريّة؟ وكيف تعاملت دمشق مع هذا التطور الجديد لتلك المنطقة من أراضيها؟ هل وفق سيناريو إدلب، عبر صراع دموي بالوكالة، يدفع السوريون ثمنه من الطرفين، أم سياسي وفق سيناريو عفرين، بمعنى تقسيم آخر على حساب السيادة السورية؟ خاصة أن روسيا وضمن (ثلاثي أستانة)، باتت تسيطر على مساحات واسعة ميدانياً، بالتالي هي قادرة على تحكّم شبه مطلق في مسار العملية السياسية.

لقد تبنت موسكو منذ اللحظة الأولى للاجتياح التركي الخيار الثاني، عاكسة أهمية الدور الروسي في ضبط الشرق السوري، ومنعه من الانزلاق إلى عتبة المواجهة المباشرة. وفق المنظور الروسي للمسألة السورية الخيار الصحيح هو تسوية الموقف في شرق الفرات عن طريق الحوار، مع ضمان سيطرة الحكومة السورية على كامل أراضيها. وهذا ما حصل، إذ أعلنت وكالة (سانا) السورية الرسمية إرسال قوات من الجيش السوري إلى شمال شرق سورية بعدما وافقت (قوات سورية الديمقراطية) (قسد) على التعاون، بعد بضعة أيام من قتالها الشرس وخسارتها قرىً وبلدات شرقي نهر الفرات لصالح الميليشيات المدعومة من قبل الجيش التركي الغازي. دفع الانهيار الدراماتيكي للجبهة هناك إلى عقد (قسد) اتفاق مع الحكومة السورية، في مطار حميميم برعاية روسية، ينص على ثلاث نقاط اساسية هي: أولاً تتابع كل الإدارات الذاتية والمدنية ومؤسساتها أعمالها دون تغيير؛ وثانياً تتم المفاوضات سياسية حول الدستور ومستقبل سورية وحقوق الكرد في مرحلة لاحقة، بضمانة روسية. وثالثاً انتشار الجيش السوري على الحدود ومناطق أخرى قبل وصول الجيش التركي، مع اعتبار (قسد) وقوات الشرطة (الآسايش) جزءاً من الجيش السوري.

إن طبول الحرب هي خطاب له مفرداته ومعانيه الخاصة وله سطوته وشعبويّته، هي تستبق الحرب مقدمةً لها ومبررةً في الوقت نفسه لوحشيتها وإيلامها. هي بالتالي ستترك أثرها حتى على خطاب السلم في زمن الحرب، تشوبه بأفكار قطعية نكوصية سلطوية قد تطيح به. لكن مع ذلك، التمسك بالإطار العام للخطاب الأخلاقي للسلم في زمن الحرب، هو سياق معرفي رفيع المستوى، يشكّل تحدّياً إرادياً بحد ذاته للنخب المسؤولة، وهو قادر أن يؤسس لخطاب أخلاقي يتبلور في تلك اللحظة بين زمن الحرب وزمن السلم، عبر منظور سليم وواعٍ للمسؤوليات الوطنية الكبرى، والحقيقة أن اثنين من أطراف النزاع في سورية هما (مجلس سورية الديمقراطية) والمؤسسة العسكرية السورية، قد نجحا في الانحياز إلى لغة العقل والمصلحة الوطنية، واستطاعا في لحظة هامة من عمر الصراع على سورية، لحظة الاجتياح التركي الغاشم، أن يضعا لغة المنطق والمصلحة الوطنية أمام كل اعتبارات ومفردات العداوة والعواطف والغرائز. وهذا سيسجل لكلا الطرفين على أمل أن يكونا نموذجاً لأطرافٍ أخرى تتبع الطريق نفسه، في سبيل حل المسألة السورية وفق ما تبقّى من الكرامة الإنسانية.

 

العدد 917 - 1/07/2020